أحمد الجلنداني
Sahafa333@gmail.com
التجوال في سيكيم ممتع حتى النخاع يصيبك بالخدر وأنت تتنقل من مكان لآخر مشيا على الأقدام أو بالسيارة لاكتشاف ما تتمتع به هذه المنطقة الجبلية من مناظر ومشاهد لا تخطؤها العين لفرط جمالها وبهائها، خاصة إذا امتزجت الطبيعة بالتداخل العمراني، حيث تزدان أسقف المنازل هناك بالألوان مشكلة لوحة فسيفسائية بتمازجها وتداخلها مع الارتفاعات والأشجار المتناثرة، فضلا عن الضباب الذي يضفي عليها مذاقا آخرا، هو وزخات المطر التي تتوالى على المكان أحيانا وتتوقف أحيانا أخرى أو تتواصل لساعات عدة.
وإضافة إلى عاصمتها جانجتوك؛ تمتلك ولاية سيكيم العديد من الأماكن السياحية تطغى على جميعها الهوية التبتية لقربها الشديد من التبت وللتداخل المكاني والسكاني والتشابه في العادات والتقاليد الاجتماعية في هذه المناطق الجبلية الممتدة إلى الصين والنيبال وبوتان وبنجلاديش .
يبدو المطبخ السيكيمي شهيا بتمازجه وتنوع وجباته بين الهندية والتبتية الصينية؛ بل تفرض وجبات تقليدية شهية، حضورها على السائح المتشوق لتجربة مذاقات أخرى غير التي اعتادها ، وهنا تتصدر القائمة وجبة المومو أو الموموس كما ينطقها بعضهم ؛ إلى جوار أنواع الحساء والوجبات الاخرى والحلويات اللذيذة التي لا تترك للمرء خيارا آخر دون تذوقها والتلذذ بها .
أما عن أماكن السياحة في جانجتوك ففي طليعتها حديقة الحيوان “هيماليان زولوجيكال بارك” التي كانت على قائمة أولوياتي لزيارتها بيد أن خلوها من أغلب حيواناتها النادرة إلا من حيوانات قليلة تعد بالأصابع أصابني بالإحباط فقفلت راجعا أدراجي .
أيضا جبل كانتشينجونجا بقمته الرهيبة على ارتفاع 8586 مترا يعد مزارا مهما للسيّاح للاستمتاع بجمال المنظر لهذا الجبل خاصة وقت الشروق ، وتعد قمته ثالث أعلى قمة في العالم . وهناك عدد من البحيرات في طليعتها بحيرة تسومجو ومينيميكو، ودير إنشي ومعهد علوم التبت، وسوق لال بازار أو مجمع كانتشينجونجا للتسوق بعد تغيير مساه القديم عام 1956 حيث يباع الجبن المنزلي والخضراوت والفواكه الطازجة والمجففة .
وهناك أيضا سوق أم جي مارج ماركت، ولهواة المشي في الطبيعة ناثوا لا باس الذي يبعد عن جانجتوك ثلاث ساعات، بينما يعد نهر تيستا الرائع الخيار الأمثل للمغامرين من هواة المراكب والتجديف . وتحفل حديقة نهرو النباتية بمختلف النباتات وأشجار الفاكهة . أما مدينة لاشين فتوفر مناظر جميلة لجبال الهيمالايا؛ إلى جانب محمية كيونجنسلا الألبية المرتفعة، وحديقة سارمسا .
بعد المكوث لأيام في ولاية سيكيم والتعايش مع شعبها والتجول في أسواق جانجتوك التي تطغى عليها المنتجات التبتية، كان الشوق يتزايد بداخلي لزيارة جارتها الحدودية دارجيلنغ في ولاية بنغال الغربية التي لا تقل جمالا هي الأخرى عنها ، ولحسن الحظ تزامنت الزيارة مع الأجواء الماطرة التي بدأت عشية اليوم الذي قررت فيه الارتحال إلى دارجيلنج التي لا تبعد عن جانجتوك كثيرا سوى ثلاث ساعات على أكثر تقدير .
وإذا كانت قيادة المركبات في المرتفعات والمنحدرات والالتواءات الغابية تحتاج إلى يقظة تامة وحذر شديد؛ فإنها تحتاج إلى أضعاف ذلك خلال هطول الأمطار التي تعد فيها القيادة وقتذاك ضربا من المغامرة خاصة في المرتفعات والمنحدرات المبتلة التي عادة ما تكون فيها هذه الأماكن عرضة للانهيارات الأرضية ولانزلاق إطارت السيارات مؤدية إلى حوادث مؤسفة تذهب ضحيتها أرواح العديد من مرتادي هذه الطرق الوعرة .
كانت دهشة الاكتشاف الأولى مذهلة وأنا أصل إلى دارجيلنج ملكة الهيمالايا – كما تعرف – والتي أدرجتها اليونسكو لتكون موقع تراث عالمي لمزارع الشاي ، التي تعود الى القرن التاسع عشر وسكة حديد دارجيلنج هيماليان إحدى مخلفات الحقبة الاستعمارية في الهند، وهي تعد أعلى سكة حديد أطلقت عام 1881 وتعد تجربتها أمرا لا بد منه للسائح خاصة القطار البخاري الذي يجوب المنطقة وصولا الى قرية غوم السياحية وأماكن أخرى، الى جوار قطار الديزل.
تحفل دارجيلنج بالعديد من المواقع السياحية تتناثر على ربوع هذه المدينة التي تشهد إقبالا وحركة سياحية مزدهرة من بينها كاليمبونغ وهو مركز لمنتجات الألبان ، ومركز مساعدة اللاجئين الذي يقدم منتجات تذكارية كالتحف البرونزية والخشبية المنقوشة والمنتجات النسيجية التبتية وشاي دارجيلنج الذي يعد من العلامات التجارية الشهيرة نظرا لجودته العالية . وللمغامرين تعد ميريك وفالوت خيارا مناسبا لاطلالتها على الهيمالايا ومساحات المشي في الهواء الطلق المتاحة وسط التعرجات الجبلية، فضلا عن بحيرة سينكال التي يحرص عشاق الهدوء على زيارتها، ودير روميتيك، ومعهد نامجيال لعلوم التبت، ومعهد تسلق الجبال وحديقة الحيوانات التي تضم عددا لا بأس به من فهود الثلج ودببة الباندا الحمراء المهددة بالانقراض .
أما تليفريك دارجيلنج روب وي فيعد تجربة رائعة لاكتشاف جمال المدينة من أعلى والتمتع بمناظر ومشاهد للغابات والجبال والمدينة عامة ، كما يفضل الكثير من السياح الإقامة في منطقة غوم لما تتمتع به من جمال خاص يسمو بأرواح عشاق الجمال إلى عوالم أخرى من المتعة والبهجة والانبساط .
بخلاف جانجتوك ؛ أعترف بأن زيارتي لدارجيلنج كانت قصيرة جدا وخاطفة لا تتناسب والمدينة الكبيرة التي تستدعي مكوثا أطول لاكتشافها والتجول في جوانبها، ولكن كانت لظروف الطقس اليد الطولى في اختصار مدة الزيارة حيث كان الضباب رغم جماله يحجب رؤية المناظر، والمطر المتواصل في بعض الأحيان أصبح عائقا حقيقيا عن التنقل واكتشاف سحر المكان، وعليه اقتصرت جولاتي على قطار دارجيلنج أو (قطار الألعاب أو تـوي ترين أو دارجيلنج هـيماليان) والأسواق والأمـاكن القـريبة من مـكان سكـناي .
