أحمد بن سالم السيابي
عدتُ إلى المحرّق كما يعود الابن إلى حضن أمٍ لم يغيّرها الغياب، ولا شوّه ملامحها الفقد. ثلاثون عامًا كانت تفصل بين خطوتي الأولى في أزقّتها، وخطوتي هذه، لكن الدهشة كانت أعمق هذه المرة، فالمحرق هي المحرق، وعائلة النوخذة مبارك بن شاهين العماري لا زالت غنية بالتراث، ولازالت عين العمامرة التي حفرها تجري، وإن كان جريانها في عيون أهلها فقط، ومجلس النوخذة سكن في كل البحرينيين الذين فتحوا قلوبهم لنا ولكل من قرأ دلمون المنقوشة في الألواح السومرية قبل ثلاثة ألاف عام، او في “ملحمة جلجامش” التي ذكرت ان البحرين هي أرض الخلود والبهجة الأبدية، والمحرق – في عيني – هي مندوس البحرين الجميلة.
سرتُ بين أزقّتها العتيقة، تلك التي ما زالت تضيق عمدًا، كأنها ترفض الاتساع كي لا تفقد سرّها. الجدران بلون الشمس القديمة، نوافذها الخشبية تتكئ على الصبر، وأبوابها لا تُفتح إلا لمن يعرف كيف يطرق بذاكرة القلب. هنا، لم يكن للمكان عجلة؛ كل شيء يمشي على مهل، كما كان قبل ثلاثين عامًا، وكأن الزمن احترم المحرّق فاختار أن يمرّ من حولها لا فوقها.
كنت أمشي، وكان الماضي يمشي إلى جواري. رائحة البيوت، صدى الخطوات، همس الجدران التي تعرف أسماء من مرّوا بها، وتحتفظ بها كما تحتفظ السماء بأسماء نجومها وكواكبها. لم تتبدل الأزقة، ولم تخن هيئتها القديمة، بل ظلت واقفة كحارس أمين، ترفض التجمّل الزائف، وتصرّ على أن تكون كما هي: صادقة، بسيطة، وعميقة حدّ الوجع الجميل.
في كل منعطف، كانت الذكريات تسبقني. هناك زاوية أعرفها، وهنا ظلّ أعرف كيف كان يسقط. ثلاثون عامًا لم تكن غيابًا، بل كانت وعدًا مؤجّلًا، وها هو المكان يفي به كاملًا. المحرّق لم تستقبلني كغريب، بل كمن تأخر قليلًا، فعاتبته بالصمت، ثم سامحته بالسكينة.
أدركتُ وأنا أغادر أحد أزقتها، أن بعض المدن لا تُزار، بل تُستعاد. وأن المحرّق ليست مدينة تسكن البحرين فحسب، بل تسكن من مرّ بها، وتبقى فيه، مهما طال الغياب، ومهما تغيّر العالم من حولها.
