شيخة الفجرية/ أكاديمية وكاتبة دراما عمانية
اسم الفيلم القصير: ” المجهول: غموض اختفاء موسى”.
قصة وسيناريو وحوار: للفنان شايلش ميندون ويوسف البوسعيدي
إخراج: محمد الكندي
عندما انتهت آخر لقطة من الفيلم القصير “المجهول: غموض اختفاء موسى”، وخرجت من قاعة العرض في المسرح الدائري في مركز عُمان للمؤتمرات والمعارض بمسقط، مقر المهرجان الخليجي السينمائي 2025م، كان أول سؤال انبثق في رأسي موجهًا إلى المخرج العُماني المجتهد محمد الكندي والمنتج يوسف البوسعيدي: ما هي الكاميرا التي صُوِّرَ بها الفيلم؟! لم يكن السؤال مجرد فضول تقني، بل كان تعبيرًا انفعاليًا عن صدمة جمالية وسعادة حقيقية في آنٍ معا، وذلك بسبب صفاء الصورة، وعمقها، ونقاوة ألوانها، ودرجة التباين، مما يمنح كل لقطة حقيقتها التي هي عليه، وكأنني كنت أرى الواقع بعينٍ جديدة تمامًا، لم أشاهد مثله إلا نادرًا خارج السينما العالمية الكبرى، فضلاً عن أن يكون في فيلم عُماني قصير مستقل. وهذا الصفاء ليس زينة، بل هو جزء عضوي من لغة الفيلم؛ يجعلك تشعر أنك لست بإزاء مشاهدة “قصة” بقدر ما أنك تعيش في داخل تجربة حسية ووجودية، مَثّلت تجربة بصرية وثقافية متعويةٍ نادرة تجمع بين الميتا فيزيقيا ودقة التوثيق الإثنوغرافي وجماليات السينما العالمية المعاصرة. في 28 دقيقة فقط.
البنية السردية: اتكأت على حكاية ظاهرة علاقة الجن باختفاء الأطفال، هل هي حقيقة أم مجرد خرافة وإشاعات تقال للتسلية لا أكثر؟ إذ يبدأ الفيلم بصوت لهاث الطفل “ناصر ابن عمه”، الذي أخذ يحكي بصوت قلقٍ ومرتبكٍ مُثقل بالخوف عن جلوسه وموسى عند الفلج قبل سماعهم صوت الرعد وظهور الوحش الكبير، وهذا الاستهلال ليس مجرد مدخل درامي، بل هو إعلان أن الفيلم سيشتغل على المنطقة الرمادية بين الخرافة والواقع، بين الجن ككائن ميتافيزيقي ومجاز للقلق الاجتماعي والنفسي وبين المنطق؛ بدليل اختتام المشهد الافتتاحي بإظلام الشاشة مع ظهور دخانٍ ملتوٍ ملأ الشاشة إلى حدٍّ ما؛ وما يعمل على تعميق مثل هذه الخرافات دائمًا هو وجود العديد من القرى والبيوت المهجورة من حولهم.
أصبح اختفاء موسى مرآة عكست تناقضات المجتمع العماني الريفي؛ تجلَّى ذلك في:
• انتشار التمائم والرقى الشرعية.
• اتهامات السحر التي تطال حتى الأقربين.
• تفسير الأمراض النفسية والعقلية على أنها “مسّ” أو “عين” وعلاجه التمائم فقط.
وكل هذا يضعنا على الفور في إطارِ الذاكرة الجماعية القلقة، التي تُبنى عليها شخصية القرية كلها. وهو ما مثله العديد من شخصيات الفيلم منها: ما قام بأدائه الفنان يوسف البلوشي الذي أخذ يروي لرفيقه عن سماعه الدائم بقصص اختفاء الأطفال، والذي بدا واضحًا أثر ذلك الخوف عليه حتى وهو في مرحلةِ الشيبِ من عمره، ألحق ذلك بسرد مبالغاته حول مواجهاته الشخصية والمباشرة مع الجن، في المقابل، يأتي الراعي ليمثل “المعادل الموضوعي” الذي لم يتربَّ على هذا الرعب، فيرد بعفوية: “بس ما سمعت عن هذا الموضوع من قبل!”، ثم يزيد: “أنا سمعت إن الجن مخلوقات مخيفة، لكن هين بنشوف حد منهم، أنته أكيد تمزح!”، وهذا التناقض بين الخوف الموروث واللامبالاة هو المحرك الدرامي الحقيقي للفيلم، أكثر من اختفاء موسى. وشخصية موسى مُركَّبة بعناية بالغة، فهو شاب تربَّى على العمل في الزراعة وتربية الدجاج وهي إشارة مهمة لما تمثله من ضعف، ففي مجتمعنا العماني يُعْهدُ عادةً بتربية الدجاج إلى النساء فقط، وهذه الإشارة ليست عابرة؛ إنها دلالة على تقزيم الشخصية وعدم اكتمال رجولتها اجتماعيًا. من أجل ذلك كان موسى يجابه كل ذلك بالصمت أمام نفسه أولًا، وأمام أبيه ثانيًا، إذ هو في داخله لم تعد القرية الزراعية تُغريه بما فيها، فقد عرفها وخبرها وهي لا تشكل له شيئًا جديدًا، بل صار يحلم بالبحر الواسع، بالسفن التي تمخر العُباب، بالخروج من دائرة القرية المغلقة، وحلمه هذا ليس مجرد طموح شخصي، بل هو تمرد وجودي على “المعروف” في الأفق؛ مقابل “المجهول” خارج هذا الأفق.
جماليات بصرية وثقافية لا تُضاهى
عُمان السياحية التي لم نرها بهذا العمق في عمل درامي سينمائي من قبل، تعامل معها الفيلم كمادة سينمائية حية وليست كديكور فولكلوري، ونادرة هي الأفلام العمانية القصيرة التي استطاعت أن تُحوِّل التفاصيل الثقافية والتراثية العمانية إلى لغة سينمائية عالمية بهذا الإتقان؛ مثال ذلك:
• مشاهد المسفاة، والمزرعة وما حولها من هدوء ميتافيزيقي.
• نقوش المسجد الأثري التي صُوِّرت بزوايا تؤكد قِدم عادة اجتماع الرجال ليعبروا عن تلاحم القرية وتكاتفها في العُسرِ واليُسر.
• اختلاف لف العمامة بدقة متوارثة بين النوخذا (البحَّار) وابن القرية الزراعية.
• اختلاف طريقة لبس الكُمَّة العُمانية بين الشاب أو الطفل العاقل وغير ذلك، واختلاف الخناجر الأثرية حسب المنطقة، كلها تفاصيل لم تُوظَّف كـ«فولكلور» بل كرموز طبقية وبيئية.
• مشهد السوق حول الحصن كان بالفعل “عالميًا بامتياز” وسبق لي رؤية شبيه له في أفلام سينمائية عالمية عدة، ويتفوق المشهد في فيلمنا هذا بإضاءته الطبيعية، وحركته العفوية، وألوانه المتوهجة، ومصداقيته الوثائقية، إذ يتحرك الناس في كادرات واسعة بتواضع عماني أصيل.
• طائر “النغّاق” الذي يمثل الشؤم: كان لتوظيفه السريع إشارة درامية -مناسبة لفيلمٍ قصير-، فقد جاء صوته المزعج في اللحظةِ الأكثر توترًا، كأنه يعلن قدوم الموت أو الاختفاء، إذ يظهر صوته مرة واحدة فقط، لكن وجوده كافٍ ليزرع الرعب، لأن المتلقي العماني يعرف الخرافة جيدًا: صوته يعني موت موسى.
• اللقطة الفاصلة بين ما قبل وما بعد؛ والتي رفع فيها موسى رأسه ببطء للأعلى بصمت، عندما قال له ناصر ابن عمه عن “تربية الدجاج “، تلك اللحظة الصامتة تقول كل شيء عن إحساسه بالدونية وتطلُّعه لتغيير هذا الواقع.
• مشهد السفينة وانعكاس ظلها على صفحة الماء الصافي، كانَ خَلابًا من بين الجبال، وكأنه لوحة تشكيلية حية، يكاد أن يكون هذا المشهد من أجمل اللقطات الجمالية في هذا الفيلم.
التقطيع الزمني: عبقرية في الصمت
• كانت التقطيعات الزمنية مدروسة بإحكامٍ فني إبداعي راقٍ، أجمل ما في الفيلم هو استبدال الكُمَّة بالعمامة كمؤشر زمني وبصري: استبدال الكتابة التوضيحية (قبل 30 يومًا) وهو ما خلق لغزًا ممتعًا للمتفرج، ففي المشهد الأخير نرى العمامة بديلًا للكُمَّة، فنتساءل فورًا: هل هذا قبل الاختفاء أم بعده؟ حلم أم واقع؟ الفيلم يرفض أن يجيب، وهذا جزء من سحره.
في الختام؛ مثَّل حضور المعادل الموضوعي نقطة قوة رائعة تسجَّلُ للفيلم، فالتناقض في الآراء وردَّات الفعل جعل الباب مواربًا دون إغلاق حول أي نقاش في حكاية ظاهرة علاقة الجن باختفاء الأطفال، هل هي حقيقة أم مجرد خرافة وإشاعات تقال للتسلية لا أكثر؟
شكرًا للمنتج يوسف البوسعيدي، والمخرج محمد الكندي وفريقهما على هذه التجربة التي ستظل عالقة في الذاكرة طويلاً، وعلى شجاعتهم في ارتياد المجهول بكاميرا علمت لاحقًا أن اسمها: آري أليكسا 35(ARRI35).
ملاحظة سريعة:
هل يمكن عَدُّ العبارة المكتوبة في بوستر الفيلم:” قبل أن تحملنا الأقدام، تحملنا الرؤى”، إجابة لسؤال الفيلم؟! أي كما يقول هيدغر: إن الإنسان هو الكائن الذي يسبق نفسه.
