د. بدر بن أحمد البلوشي
رسالة من صديق محب يقول لي.. سوي مثل المتنبي حينما قال.. “انام ملئ جفوني عن شواردها”.. “ويسهر الخلق جراها ويختصم”
ليس كل من نام غافلا، ولا كل من سهر مدركا.. ثمة فرق شاسع بين سكون الواثق وضجيج القلق، بين من يطمئن إلى فكرته حتى تستريح جفونه، ومن يطارد الظلال فيسهر ويتخاصم.. في هذا المعنى العميق تتجلى حكمة المتنبي، لا بوصفها بيت شعر، بل كقانون نفسي واجتماعي يفسر كثيرا من سلوك البشر في كل زمان.. فالأفكار الكبيرة لا تصرخ، بل تمشي واثقة، بينما الأفكار الهشة لا تعرف إلا الصخب.
أن تنام ملء جفونك عن شواردها، يعني أنك بلغت من اليقين حدا لا يحتاج إلى تبرير مستمر.. هو نوم الفكرة المكتملة، لا نوم الهروب ولا نوم العجز.. هو اطمئنان العارف أن ما قاله سيشق طريقه وحده، دون وصاية أو حراسة.. في المقابل، يسهر الخلق جراها لأنهم لم يمتلكوا تلك الطمأنينة، فيتحول السهر إلى جدل، والجدل إلى خصام.
في مجتمعاتنا، كثيرا ما تُقاس القيمة بحجم الضجيج لا بعمق المعنى.. من يرفع صوته يُظن أنه على حق، ومن يلوح كثيرا يُحسب فاعلا. غير أن التاريخ لا يحفظ الأصوات العالية، بل يحفظ الأفكار التي صمدت.. لذلك، ينام أصحاب الرؤى مطمئنين، بينما يسهر الآخرون في نقاشات لا تنتهي حول ما لم يفهموه بعد.
السكينة هنا ليست انسحابا من الواقع، بل سيطرة عليه.. من يثق في مساره لا يلهث خلف كل تعليق، ولا يستنزف روحه في كل معركة جانبية.. هو يدرك أن بعض المعارك تُربح بالتجاوز لا بالمواجهة، وأن الزمن حليف الفكرة الصادقة.. أما من يسهر، فغالبا ما يسهر لأنه خائف.. خائف من أن تمر الفكرة دون أن يكون جزءا من صخبها.
كم من فكرة وُلدت هادئة، ثم كبرت بصمت، حتى صارت واقعا لا يمكن إنكاره.. وكم من فكرة أخرى ملأت الدنيا ضجيجا، ثم انطفأت لأنها كانت تقوم على رد الفعل لا على المعنى.. النوم هنا رمز للثقة، والسهر رمز للقلق، والخصام نتيجة طبيعية لغياب البوصلة.. فحين لا يعرف الناس أين يقفون، يكثر النزاع.
في الحياة العامة، كما في الحياة الخاصة، لا يحتاج الواثق إلى جمهور دائم.. يكفيه أن يكون صادقا مع نفسه، متسقا مع قناعاته.. لذلك لا ينهكه الجدل، ولا تستفزه الشائعات، ولا يجره كل رأي عابر إلى ساحة الاشتباك.. هو يعرف أن الحقيقة لا تحتاج إلى حراسة دائمة، بل إلى وقت كاف لتظهر.
أما الساهرون، فهم أسرى اللحظة. يعيشون على وقع التفاعل السريع، والانتصار المؤقت، والضوء الخاطف.. يختلفون لأنهم لا يملكون أساسا مشتركا، ويتخاصمون لأن كل واحد منهم يريد أن يكون الصوت الأعلى.. وفي خضم هذا الصراع، تضيع الفكرة، ويبقى التعب.
ليس النوم هنا كسلا، بل حكمة في إدارة الطاقة.. فالعاقل يعرف متى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى يترك الأمور تأخذ مجراها الطبيعي.. يدرك أن الإفراط في الدفاع عن الفكرة قد يضعفها، وأن الهدوء أحيانا أكثر إقناعا من ألف خطاب.. لذلك، يختار السكينة، ويترك للضوضاء أن تستهلك نفسها بنفسها.
المجتمع بحاجة إلى هذا النوع من الوعي.. وعي يفرق بين السهر المنتج والسهر العقيم، بين الحوار البناء والخصام العبثي.. فليس كل نقاش دليل حياة، وليس كل صمت علامة موت.. أحيانا يكون الصمت أعلى درجات النضج، حين يكون الكلام تكرارا لا إضافة فيه.
في زمن المنصات المفتوحة، صار السهر أسهل من النوم، وصار الجدل أسرع من التفكير.. كل فكرة تُرمى في الساحة تُستدرج إلى معركة، وكل رأي يتحول إلى استقطاب.. هنا تتجلى قيمة من ينام ملء جفونه.. هو من يرفض أن يكون وقودا لكل اشتباك، ويصر على أن يكون صاحب مسار لا تابع ضجيج.
الطمأنينة الفكرية لا تُشترى، بل تُبنى.. تُبنى بالقراءة، وبالتجربة، وبالخطأ، وبالمراجعة الصادقة.. من مر بكل ذلك لا يقلقه اختلاف الناس، ولا يزعجه سوء الفهم المؤقت.. يعلم أن الفكرة القوية تمر بمراحل إنكار ثم جدل ثم قبول، فلا يتعجل النهاية.
وحين يسهر الخلق جراها ويختصم، فإنهم في الحقيقة يعترفون بقوة الفكرة دون أن يقصدوا.. فالجدل علامة تأثير، والخصام دليل حضور.. غير أن صاحب الفكرة، وقد أدرك هذا، لا يحتاج إلى الوقوف في منتصف العاصفة.. يكفيه أن يراقب، وأن يثق بأن الريح ستهدأ.
هذا المعنى يعلمنا درسا في القيادة، كما يعلمنا درسا في الحياة.. القائد الواثق لا ينشغل بكل صوت معارض، ولا يبدد وقته في الرد على كل تشكيك.. يضع الهدف أمامه، ويمضي.. أما القائد المتردد، فيسهر على كل تفصيل، ويختصم مع كل رأي، حتى يضيع الاتجاه.
وفي العلاقات الإنسانية، ينطبق المعنى ذاته.. من يثق في نفسه لا يراقب كل كلمة، ولا يفسر كل تصرف، ولا يعيش في حالة دفاع دائم.. ينام قرير العين، لأن قلبه مستقر.. بينما يسهر القلقون، يفتشون عن نوايا، ويصنعون خصومات من فراغ.
إن أعظم ما تمنحه هذه الحكمة هو التحرر من استنزاف لا طائل منه.. أن تختار متى تنخرط، ومتى تنسحب، ومتى تترك الساحة لغيرك.. هذا ليس ضعفا، بل قوة مضاعفة، لأنك تحفظ طاقتك لما يستحق، وتمنح فكرتك فرصة أن تُفهم بعيدا عن التشويش.
لا يُقاس النجاح بعدد الساعات التي سهرتها في الجدل، بل بعمق الأثر الذي تركته فكرتك.. ولا يُقاس الوعي بكثرة الردود، بل بقدرتك على الصمت حين يكون الصمت أبلغ.. فكم من ساهر خسر نفسه، وكم من نائم ربح التاريخ.
المتنبي لم يكن يصف حالة شخصية عابرة، بل كان يضع مرآة أمام البشر.. مرآة تقول.. انظروا، من يثق يهدأ، ومن يشك يضطرب.. ومن عرف قيمته لا يطارد الاعتراف، ومن جهلها لا يشبع من التصفيق.. وبين هؤلاء وأولئك، تتحدد ملامح المجتمعات.
نحن اليوم أحوج ما نكون إلى هذا الاتزان.. إلى أن ننام حين يكون النوم حكمة، ونسهر حين يكون السهر مسؤولية، لا عادة ولا استعراضا.. أحوج ما نكون إلى أن نُعيد للفكرة قيمتها، وللهدوء مكانته، وللخلاف حدوده الأخلاقية.
فليس المطلوب أن نتوقف عن النقاش، بل أن نرتقي به.. وليس المطلوب أن نصمت دائما، بل أن نعرف متى يكون الكلام إضافة ومتى يكون عبئا.. حينها فقط، سنفهم لماذا ينام الواثق، ولماذا يسهر القلق، ولماذا لا يلتقي الطريقان إلا نادرا.
وهكذا تبقى الحكمة واضحة.. نم مطمئنا إن كنت صادقا مع فكرتك، ولا تقلق إن اختلف الناس حولها.. دعهم يسهرون ويختصمون، فذلك جزء من رحلتها إلى النضج.. أما أنت، فاحفظ سكينتك، لأن الأفكار العظيمة لا تحتاج إلى ضوضاء، بل إلى زمن يعرف كيف ينصفها.
