د. يونس بن جميل النعماني – كاتب وباحث عُماني
أعاد مهرجان استعراض مهارات الإبل والخيل العربية الأصيلة والفنون التقليدية الذي أقيم بميدان محارة بولاية المصنعة يومي الجمعة والسبت الماضيين ذكريات الطفولة، عندما كنا نذهب برفقة أهالي قريتنا الصغيرة جميعًا تلبية لدعوة كريمة لمشاهدة ركض العرضة، وكنت منبهر من حركات الفرسان والجمّال التي يؤدونها بشكل شجاعةٍ وإقدام.
دار الزمان وتشرفتُ الأسبوع الماضي بمكالمة هاتفية يدعونني فيها للمشاركة في جلسة حوارية على هامش عرضة الخيل والإبل والفنون التقليدية، الذي استمر لمدة يومين في ميدان (مركاض) محارة، هذه الجلسة الرائعة التي استمرت لأكثر من ساعة ونحن نتحدث عن أهمية مثل هذه المهرجانات، وإدراج عرضة الخيل والإبل في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للآنسانية بمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) عام ٢٠١٨م، ودور الإعلام في تعزيز الهُوية الوطنية، بصحبة الإعلامي القدير يوسف الهوتي، والإعلامي الشاب ذياب النوفلي. وفي هذا المقال نركز على الجوانب الثقافية والاجتماعية التي تصاحب هذه المهرجانات الشعبيَّة.
يُعد مفهوم “العرضة” من أبرز الموروثات الثقافية في سلطنة عُمان، حيث يشير المصطلح إلى فعالية استعراضية تجمع بين الخيل والإبل لعرض مهارات الفروسية وترويض الإبل، إلى جانب تقديم مجموعة من الفنون الشعبيَّة التقليدية. وقد أُطلق على العرضة هذا الاسم؛ نظرًا لطبيعتها الاستعراضية التي تهدف إلى إبراز براعة الفرسان والجمّال في التحكم بها، وإظهار مهاراتهم أمام الجمهور.
وتتميز سلطنة عُمان بانفرادها بهذا التقليد التراثي، إذ يلتقي أهالي المناطق في يوم العرضة في الميادين أو المواقع المخصصة لهذا الحدث بعد الدعوة التي توجَّه إليهم للمشاركة ومتابعة العروض التي يقدمها فرسان الخيل وسائقي الإبل. وتُظهر هذه العروض قدرة المشاركين على ترويض الخيل والإبل، وتتنوع الفنون المصاحبة لها، مثل: فن الهمبل الذي يُعد لوحة ترحيبية من أهل الحلال (الخيل والإبل)، والمحوريب، الذي يتضمن استلقاء الخيل على الأرض، وركوبها وقوفًا أو تبادل الإمساك بين الفرسان أثناء أداء الحركات البهلوانية، فضلاً عن فنون العازي، والرزحة، والميدان، والأمسيات الشعرية، ومعارض الصناعات الحرفية، والأسر المنتجة.
وتحرص المجتمعات المحلية أثناء هذه الفعاليات على تزيين الخيول والإبل بأقمشة ملونة وزخارف مصنوعة من الفضة والمعادن الثمينة؛ مما يضفي عليها مظهرًا جماليًا، يُعبًّر عن الجذور الثقافية والهُوية الوطنية العُمانية. كما يلتزم الفرسان بارتداء الزي الوطني تأصيلاً للهُوية الثقافية الوطنية. كما يُشكل هذا الحدث مناسبة اجتماعية وثقافية تجمع أفراد المجتمع، وتسهم في تعزيز التواصل بين الأجيال، وحفظ التراث غير المادي ضمن المشهد الثقافي في هذا الوطن العزيز.
يُشكل إدراج فعالية عرضة الخيل والإبل ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لدى منظمة اليونسكو خطوة علمية بالغة الأهمية، إذ يُبرز قيمة هذا الموروث بوصفه جزءًا من التراث الإنساني المشترك، ويؤكد ضرورة صونه والعمل على حمايته. ويعكس هذا الاعتراف العمق الثقافي والحضاري لسلطنة عُمان، ويعزز مكانتها باعتبارها رمزًا للهُوية الوطنية، ومكونًا أساسيًا من مكونات التراث الإنساني العالمي. وينعكس هذا الإدراج على التنمية المستدامة؛ إذ شاهدنا الكثير من السياح الأجانب يحرصون على حضور مثل هذه المهرجانات، كما أن لها علاقة بالصناعات الـثقافية الإبداعية كالتصوير الاحترافي، والصناعات الحرفية.
وأسجل في نهاية هذا المقال كلمة شكر وتقدير إلى كل القائمين على مهرجان محارة شيبًا وشبانا، وإلى كل اللجان التي عملت مثل خلية النحل لتظهر محافظة جنوب الباطنة في أحلى حُلة، وتتزين ولاية المصنعة بحضور ملاك الخيل والإبل من محافظات وولايات سلطنة عُمان، ضيوفًا أعزاء، وأقول: ما عليكم (زود)، بيض الله وجوهكم، وجزاكم الله عنا كل خير.
