خاص- شؤون عمانية
رأى الدكتور قيس السابعي، الخبير الاقتصادي، أن الميزانية العامة للدولة تمثل خارطة مالية مؤطّرة ومؤتمتة، جرى إعدادها لتواكب متطلبات السنة المالية المقبلة والظروف المحيطة بها، موضحًا أنها تُعد باكورة عمل مالي مستقبلي تسبقها نقاشات وتحليلات ودراسات معمقة، إلى جانب قراءة مستمرة لمؤشرات الاقتصاد العالمي والمتغيرات الإقليمية والدولية، بما ينعكس على صياغة الأرقام والنسب والمؤشرات الواردة فيها بصورة واقعية ومتوازنة.
وأشار إلى أن الميزانية العامة تُعد بمثابة ديباجة وطنية مالية تتسم بالقوة والحوكمة الإدارية والمالية، وهو ما يعكس التحول الذي شهدته ميزانية سلطنة عُمان من مرحلة الاستقرار المالي إلى مرحلة أكثر تفاعلية ونموًا اقتصاديًا، لتواكب مصاف الدول المتقدمة اقتصاديًا، وتفتح آفاقًا أوسع لمرحلة جديدة تتسم بالنمو والتنمية الشاملة والشفافية والوضوح، إلى جانب تبني مفاهيم الحوكمة والأتمتة ومواكبة المستجدات الاقتصادية العالمية.
وأوضح أن الميزانية جاءت بأرقام واضحة ونسب شاملة ومؤشرات حقيقية وفاعلة، اتسمت بالشفافية والمصداقية والواقعية، وهو ما يعكس متانة الوضع المالي والاقتصادي لسلطنة عُمان، وقوة صياغة الميزانية العامة، سواء فيما يتعلق بإدارة العجز المالي أو إبراز المؤشرات الإيجابية الدالة على الاستقرار المالي، مشيرًا إلى أن ذلك يعكس الجهود المبذولة في دراسة وتحليل البيانات والإحصاءات وصولًا إلى واقع مأمول تعكسه هذه الميزانية.
وبيّن أن الميزانية شملت مختلف الجوانب المالية والاقتصادية، من الدين العام، والإيرادات، والنفقات، والدعم، والاستدامة المالية، إلى جانب الجوانب الاجتماعية، حيث جاءت واضحة في استمرار دعم الكهرباء والمياه وغيرها من الخدمات الأساسية، فضلًا عن تعزيز منظومة الرفاه الاجتماعي، واستمرار مسيرة التنمية والنمو الاقتصادي في قطاعات التعليم والصحة وشبكات الطرق، بما يواكب متطلبات الحياة العصرية، ويعزز الطمأنينة والاستقرار في حياة المواطن، في ظل التحديات الجيوسياسية العالمية وتغيرات سلاسل الإمداد والاحتمالات المرتبطة بالأزمات المالية.
وأشار إلى أن من أبرز ما يميز هذه الميزانية اعتماد سعر تحوطي لبرميل النفط عند 60 دولارًا أمريكيًا، وذلك في إطار نهج احترازي يهدف إلى تجنب الأزمات المالية المحتملة، موضحًا أن هذا السعر التحوطي يعكس قراءة واقعية لتوقعات الأسواق النفطية، حيث تشير تقديرات الخبراء إلى أن متوسط الأسعار قد يتراوح بين 63 و70 دولارًا، ما يعني إمكانية تحقيق فائض في حال تجاوز السعر التحوطي، أو تحقيق توازن مالي في حال تساويه، أو تسجيل عجز طفيف يمكن التعامل معه عبر الاقتراض من الاحتياطيات أو البنوك التجارية بشروط ميسرة.
وأضاف أن عددًا من الخبراء الاقتصاديين والمحللين أشاروا إلى أهمية التمييز بين صافي الدخل وصافي التدفقات النقدية، موضحًا أن العجز المتوقع لعام 2026 والمقدّر بنحو 530 مليون ريال عُماني ورد في قائمة الدخل، في حين أن قائمة التدفقات النقدية تعكس حركة التدفقات المالية الفعلية وصافي أصل القرض، لافتًا إلى أن سلطنة عُمان تنتهج سياسة تقليص النفقات، وتسديد الدين العام بصورة تدريجية، وتوجيه الفوائض لسداد الدين ثم دعم الرفاه الاجتماعي، إلى جانب مواصلة التنمية الاجتماعية، والسحب من الاحتياطيات عند الحاجة لتمويل العجز.
وأوضح أن هذه الإجراءات تمثل خطة مالية استباقية واحترازية وتحوطية، مبنية على أسوأ السيناريوهات المحتملة المرتبطة بالظروف الاقتصادية العالمية، مثل التوترات الجيوسياسية، واضطرابات سلاسل الإمداد، وتذبذب أسعار النفط والغاز، والكوارث الطبيعية، مبينًا أن هذه المنهجية التحفظية تهدف إلى الاستعداد المسبق لأي تطورات غير متوقعة، مع ترجيح أن تكون النتائج الفعلية أكثر إيجابية مما هو متوقع.
وأشار إلى أن الميزانية أُعدّت بصورة تمكّنها من استيعاب مختلف السيناريوهات المحتملة دون مفاجآت، ما يعكس نهجًا ماليًا متزنًا قائمًا على الحكمة والتخطيط السليم والرقابة الفاعلة، وبما ينسجم مع أهداف رؤية عُمان 2040، والتوجيهات السامية الرامية إلى تعزيز مسيرة التنمية الشاملة، والارتقاء بالاقتصاد الوطني، وتحقيق الخير والرفاه للمواطن والمجتمع.
