إبراهيم المنسي كاتب مسرحي / مملكة البحرين
Fadhoo1@live.com
لم يقل أحد إن البحر سيموت يومًا، كان الجميع يظنه خالدًا، أقدم من الذاكرة، وأقوى من الفناء، لكنني رأيته في ذلك الصباح مختلفًا، ممدّدًا أمامي بلا حركة، ككائنٍ أنهكه العمر فجأة.
اقتربت منه كما يُقترب من مريضٍ نخشى إزعاج أنفاسه الأخيرة، لا مدّ يزحف نحوي، ولا جزر يبتعد بخجل.. كان ساكنًا على نحوٍ مخيف، كأن شيئًا عميقًا انكسر في داخله ولم يرد أن يبوح به.
حكيت للناس أن البحر يحتضر، فضحك بعضهم، وقال آخرون البحر لا يموت، لكنهم لم يسمعوا الصمت الذي سمعته، ولم يروا العيون الزرقاء وقد فقدت بريقها.
المدّ والجزر كانا صوته، وكان غيابهما إعلانًا غير مكتوب عن بداية النهاية.
كنت أراه كعجوزٍ حكيم، عاشر القمر دهورًا، وتعلّم منه سرّ الشهيق والزفير، وحين انقطع الوصل، توقّف عن التنفّس.
الموجة التي كانت تولد كل لحظة لم تعد تأتي، والرمال التي كانت تتهيأ للعناق ظلّت باردة، بلا أثر، حتى الطيور لم تفهم ما الذي جرى.
حلّقت فوقه ثم غادرت، كأنها شعرت بأن المكان لم يعد صالحًا للأغاني.. الصيادون جلسوا على الشاطئ، شباكهم فارغة، وقلوبهم أثقل من البحر نفسه.
في المساء، جلست أحدّثه قلت له إن كنت متعبًا، فلا بأس أن تستريح، لكن لا ترحل.. لم يجبني. كان صمته أبلغ من أي موج، واستسلامه أشد قسوة من العاصفة.
أدركت حينها أن البحر لا يموت غرقًا، بل يموت حين يفقد إيقاعه، حين يتوقّف عن الأخذ والعطاء، حين يصبح ماءً بلا روح.
رأيته يحتضر بكرامة، بلا ضجيج، كما يفعل العظماء دائمًا، ومنذ ذلك اليوم، كلما نظرت إلى البحر، لا أسأله عن عمقه، بل عن نبضه.
فإذا عاد المدّ والجزر، عرفت أنه ما زال يقاوم، وإذا طال سكونه أيقنت أن الاحتضار قد طال أكثر مما ينبغي، وهكذا فهمت أن البحر لم يكن سوى مرآتنا الكبيرة.
نحن أيضًا نحتضر بصمت حين يتوقّف مدّنا وجزرنا الداخلي، حين نكفّ عن العطاء فنقسو، أو نكفّ عن الأخذ فنذبل، نموت ببطء عندما نخاف التغيّر، ونرتضي السكون، ونقنع بحياة بلا نبض.
البشر لا يموتون حين تنتهي أعمارهم، بل حين تفقد قلوبهم إيقاعها، حين يصير الكلام عادة، والمشاعر ماءً بلا موج، وكل من طال صمته عن نفسه، كان أقرب إلى بحرٍ توقّف عن التنفّس.
