آمنة بنت محمد البلوشية
ayaamq222@gmail.com
رحل اليوم عم داوود رمضان، الرجل الذي لم يكن مجرد صانع متّاي ومرمري، بل كان جزءًا من روح الحارة ونبض أيامها.. رحل تاركًا خلفه رائحة ذكريات لا تشبه إلا نفسها، وبصمة فرح صغيرة لكنها عميقة في قلوب من عرفوه أو مرّوا عند بابه في الصباحات الأولى، ومع هذا الرحيل، تزدحم الذاكرة بتلك اللحظات التي لا نريد لها أن تتلاشى، ونجد أنفسنا نعود إلى الأزقة القديمة، نستحضر صوته ويديْه وحضوره الذي كان يلوّن المكان.
هذا المقال محاولة للتمسّك بتلك الذكريات قبل أن يبتلعها الزمن، ووداع بسيط لرجل كان يصنع الفرح بقلبه قبل يديه.
تتنقل ذاكرتي بين الحضور والغياب، وخوفًا من أن أصل إلى جدار النسيان، أجد نفسي أستعيد طفولتي ومكاني الصغير في سلطنة عمان، وتحديدًا في ولاية صور بمحافظة جنوب الشرقية، في حارة القاشع، تلك الحارة الصغيرة التي قد ينسى البعض اسمها أو لا يتذكره جيدًا، كانت الحارة قريبة من قلعة مربعة قديمة هُدمت منذ زمن، وعلى مقربة من البحر، حيث تختلط رائحة الملح برذاذ الأمواج، وتتلألأ أشعة الشمس على المياه في كل صباح.
في الحارة، تتنفس الجدران صدى الضحكات وأصوات الحياة اليومية البطيئة، وتختلط رائحة الخبز الطازج مع عبق الياسمين المزروع في أزقتها الضيقة، وكأن الزمن فيها ينساب مثل موج البحر، يتأرجح بين الماضي والحاضر، حاملاً بين ثناياه قصص الأجيال وعبق الذكريات الذي لم يُمحَ بعد.
وفي قلب هذه الحارة عاش عم داوود رمضان، صانع المتاي والمرمري، ومنذ سبعينيات القرن الماضي أصبح اسمه مرادفًا للفرح والذوق المميز، فهو لم يكن مجرد رجل يبيع الحلويات، بل كان صانع ذكريات.
ومع حلول المساء، يبدأ عم داوود رحلته البسيطة والمعقدة في آن واحد، يذهب إلى دكاكين البانيان القريبة ليجمع المكونات الأساسية: الدقيق الأبيض، الملح، البهارات، الزيت، وأحيانًا طحين الحمص الذي يمنح العجينة قوامًا غنيًا ونكهة فريدة، وفي مطبخه الصغير على الطاولة الخشبية القديمة، تبدأ يده في مزج المكونات بعناية، وكانت تتنفس العجينة تحت أصابعه استعدادًا لتتحول إلى قطع صغيرة وكبيرة من المتاي والمرمري، كل واحدة تحمل بصمة خبير سنوات طويلة.
ومع بزوغ الفجر بعد الأذان، يتحول المطبخ إلى مسرح حي للإبداع، أصابع عم داوود تنساب على العجينة، تشكل القطع وتضغطها وتعيد تشكيلها، بينما تمتزج رائحة الطحين والبهارات والزيت مع هواء البحر البارد، فتنتشر في الأزقة وتجذب الناس للخروج كبارًا وصغارًا، رجالًا ونساء، يتطلعون إلى لذة تلك القطع التي تعيدهم إلى طفولتهم، إلى دفء البيوت وأصالة الحارة.
الشارع الصغير يزخر بالحركة: الأطفال يركضون وراء بعضهم على الرصيف، أصوات ضحكاتهم تتخلل رائحة البحر، بينما تتحرك الأزقة على إيقاع خطوات الناس، وصوت خلط العجينة والضغط عليها من يد عم داوود يختلط بأصوات الباعة.. ألوان الشروق تتحول من البرتقالي إلى الذهبي فوق الأمواج، والمدينة تستيقظ تدريجيًا مع كل نفَس من نسيم البحر.
كل قطعة متاي ومرمري تخرج من يده تحمل لذة لا يمكن وصفها، وكل قضمة تحكي قصة البحر، الرمال، وصوت الفجر، وتجعل الحارة تحتفل معهم.. كبارًا وصغارًا، رجالًا ونساء، يتذوقون، يبتسمون، ويشعرون بفرح صغير لكنه عميق، ينبع من الصنعة البسيطة والقلب المبدع.
رغم توقف عم داوود عن العمل مع تقدّم السن، ظل اسمه حاضرًا في ذاكرة الجميع، كرمز للحارة، للتراث، وللنكهة التي تعيش في الذكريات.. لم يكن مجرد صانع حلويات، بل جسرًا بين الماضي والحاضر، صانع ذكريات، وراويًا لحكايات صغيرة في كل قطعة متاي ومرمري، فكل قضمة كانت تعيد الناس إلى طفولتهم، إلى بساطة الحياة ودفء الحارة، لتظل صور حيّة محفورة في قلوب من تذوقوه، ودرسًا حيًا في أن المهارة والإبداع يحوّلان أبسط المواد إلى سحر خالد.
وفي النهاية.. نودّع عم داوود رمضان، الرجل الذي كان يصنع الفرح، ويترك في الحارة أثرًا لا يمحوه الغياب. رحل الجسد، وبقيت الذكرى.
