الدكتور سليّم بن محمد الهنائي.. باحث وأكاديمي بجامعة نزوى
شهدت سلطنة عُمان عبر تاريخها تطورًا تدريجيًا في مجال سكّ العملة، حيث بدأت هذه الممارسة منذ العصور الإسلامية المبكرة، ولم تكن مجرد إجراء اقتصادي بل كانت تعبيرًا عن إرادة سياسية واستقلالية وطنية، فقد مثّلت العملة أداة رمزية لإبراز السيادة وترسيخ الهوية الاقتصادية للدولة، ومع ذلك، ظلت عُمان حتى نهاية القرن التاسع عشر تعتمد على عملات أجنبية في تعاملاتها التجارية، أبرزها دولار ماريا تيريزا الذي هيمن على الأسواق الإقليمية، إلى جانب الروبية الهندية التي كانت شائعة الاستخدام، هذا الاعتماد على النقد المستورد عكس حالة غياب العملة الوطنية التي تعبر عن كيان الدولة الاقتصادي، وفي ظل هذا الواقع، اتخذ السلطان فيصل بن تركي (1888–1913م / 1305–1331هـ) قرار بتأسيس دار وطنية لضرب النقود في مدينة مسقط، تحديدًا في المبنى المقابل للمحكمة الشرعية، والذي كان يضم كذلك دائرة الجوازات، لم تكن هذه المبادرة مجرد حل عملي لأزمة نقدية، بل كانت إعلانًا صريحًا عن قدرة الدولة على إدارة شؤونها المالية باستقلالية واقتدار، ومعلنًا بذلك بداية عهد جديد في تاريخ النقد العُماني، وولادة أول عملة محلية تحمل هوية البلاد وتعبّر عن استقلالها المالي، لقد مثّلت دار الضرب العُمانية آنذاك رمزًا للسيادة الاقتصادية، وتجسيدًا لرؤية استراتيجية تهدف إلى ترسيخ الهوية النقدية للبلاد، بعيدًا عن التبعية للعملات الأجنبية.
اعتمدت دار السكة في مسقط على تقنيات تقليدية إلى حدّ كبير في عمليات سكّ العملة، حيث استخدمت معدات بسيطة في تصميمها وتشغيلها، وتشير المصادر إلى أن المواد الأولية اللازمة لصناعة النقود كانت تُجلب من مدن مثل بومباي وبرمنجهام، إذ قامت دار الضرب في برمنجهام بتزويد مسقط بخامات خاصة لهذا الغرض.
وكان المكبس الآلي، الذي يُعتقد أنه من منشأ إنجليزي، يشكّل محور العملية الإنتاجية، إذ مثّل الأداة الأساسية في عملية السكّ، وقد تميز هذا المكبس بقدرته على إنتاج ما بين قطعة واحدة إلى قطعتين نقديتين في الثانية الواحدة عند تشغيله بكامل طاقته، مما أتاح للدار تحقيق كفاءة معقولة رغم بساطة الوسائل المتاحة آنذاك.
تكونت العملة من فئتين رئيسيتين: البيسة، التي تعادل (ربع آنة)، والغازي، والتي تمثل جزءًا من اثني عشر من (الآنة)، وتميّز وجه العملتين بنقوش دقيقة تضمنت اسم السلطان، وتاريخ الإصدار، والفئة النقدية، إلى جانب اللقب الرسمي “إمام مسقط وعمان”، في تأكيد واضح على الشرعية السياسية والدينية، أما ظهر العملة، فقد تحوّل إلى لوحة فنية مصغّرة تجسّد ملامح الهوية العُمانية، حيث ظهرت قلعة الجلالي، تحيط بها سفينتان شراعيتان ترمزان إلى الإرث البحري، مع أشجار النخيل وقصر العلم، وكلها رموز تنبض بتاريخ التجارة والملاحة.
أحدثت العملات التي جرى سكّها محليًا نقلة نوعية في الحياة الاقتصادية لعُمان، إذ أسهمت في تيسير التعاملات اليومية وتنشيط الحركة التجارية داخل الأسواق، بعدما كانت البلاد تعتمد بشكل شبه كلي على ريال ماريا تيريزا، المعروف بثقله وصعوبة تداوله في المعاملات البسيطة.
ومع إدخال العملة الوطنية، أصبح في متناول التجار والمواطنين وسيلة نقدية أكثر ملاءمة وارتباطًا بالواقع المحلي، وقد واصلت البيسة، وهي إحدى الفئات النقدية التي سكت حضورها في السوق العُماني إلى جانب العملات الأجنبية، خلال فترات حكم السلاطين الذين خلفوا السلطان فيصل بن تركي، مثل السلطان تيمور بن فيصل، ثم السلطان سعيد بن تيمور، ويُعد استمرار تداول البيسة دليلاً على نجاح التجربة النقدية العُمانية، بل إن السلطان سعيد بن تيمور ذهب أبعد من ذلك، حين أمر بطباعة كمية محدودة من البيسة تحمل اختصار اسمه (س س)، في خطوة رمزية تؤكد على ترسيخ الهوية الوطنية وتوسيع نطاق السلطة النقدية للدولة.
مع نهاية عقد الستينيات، وتحديدًا في عام 1389هـ / 1969م، رأى السلطان سعيد بن تيمور أن عُمان بلغت من النضج الاقتصادي ما يؤهلها لإطلاق عملة وطنية موحدة تجمع بين الحداثة والاستقلال المالي، وجاء هذا القرار تتويجًا لمسار طويل من الإصلاحات والرغبة في ترسيخ الهوية النقدية للدولة، وفي السابع من مايو عام 1970، دخلت العملة السعيدية الجديدة حيّز التداول، متضمنة ست فئات من الأوراق النقدية، يقابلها عدد مماثل من العملات المعدنية، وقد لاقت هذه العملة انتشارًا سريعًا في البلاد، إذ مثّلت خطوة حاسمة نحو بناء نظام مالي مستقل ومتوازن، يعكس طموحات الدولة في تعزيز مكانتها الاقتصادية داخليًا وخارجيًا.
مثّل إصدار العملة الوطنية في عهد الدولة البوسعيدية تحولًا مفصليًا في مسار الاقتصاد العُماني، فلم يكن مجرد إجراء اقتصادي لتلبية ظرف طارئ، بل كان فعلًا واعيًا يحمل في طياته رسالة واضحة عن الهوية الوطنية والقدرة على إدارة الشؤون المالية باستقلال تام، جاءت هذه الخطوة لتجسّد طموح الدولة في ترسيخ حضورها السياسي والاقتصادي، ولتؤكد أن عُمان ليست مجرد طرف في المعادلة الإقليمية، بل قوة حضارية قادرة على صياغة رموزها السياسية والاقتصادية، ومن خلال تلك العملات، استطاعت السلطنة أن تروي للعالم حكاية وطن ينهض بثقة، ويشق طريقه نحو التنمية والازدهار، مستندًا إلى إرثه العريق.
