الدكتورة هدى بنت عبدالرحمن الزدجالية
أطلق المؤرخون على عهد السيد سعيد بن سلطان البوسعيدي (1805- 1856م) لقب” العصر الذهبي للإمبراطورية العمانية”؛ لأن عُمان في عهده امتدت بين قارتي آسيا وإفريقيا، فتنوعت شرائح المجتمع وتعددت أطيافه وأعراقه وأديانه ومعتقداته، وأصبحت الإمبراطورية العمانية تضمُّ مناطق وشعوبا مختلفة، بعد أن اتخذ السيد سعيد من زنجبار عاصمة ثانية لإمبراطورتيه سنة 1832م، وبلغت سلطنة عُمان وزنجبار في عهده أوج قوتها وازدهارها السياسي والاقتصادي، والثقافي، والعسكري، والحضاري.
صفات مميزة عرف بها السيد سعيد بن سلطان وأهلته ليحقق تلك الطموحات الكبيرة في عصر التكالب الاستعماري، جاء في مقدمتها “التسامح” الديني والفكري والسياسي، الذي يعد من اسمى الصفات الإنسانية، ورغم امتداد عُمان السياسي في عهده، وتنوع واختلاف طوائف ومشارب السكان في دولته المترامية الأطراف، إلا أنه استطاع بكل حكمة واقتدار في ظل هذا التنوع والثراء البشري والفكري والثقافي من الاستفادة منه واستثماره وتطويعه لبناء إمبراطورية عدت بشهادة الباحثين ذات قوة اجتماعية واقتصادية وسياسية وعسكرية وحضارية، كل ذلك جاء نتاج قدرته على إرساء دعائم التسامح والتعايش والتفاهم السلمي والفكري بين طوائف وشرائح المجتمع كجزء لا يتجزأ من سياسته الداخلية، الأمر الذي انعكس إيجابا على بناء الدولة وازدهارها الاقتصادي خاصة في الجزء الإفريقي من الإمبراطورية العمانية؛ وأبرز مثال لنهج التسامح عندما سمح السيد سعيد لرعاياه بحرية ممارسة الشعائر الدينية، وحرية التقاضي بين جميع المذاهب والأديان.
وتجلت تلك السياسة الحكيمة في مظاهر شتى منها حرصه على المساواة عند اختياره موظفي الدولة على أسس من الكفاءة، والقدرة العلمية والإدارية، مما جعل حكومته تضم نخبة من الوزراء والمستشارين والولاة والقضاة والقادة العسكريين وغيرهم ممن استعان بهم لإدارة أمور الدولة من مختلف الأديان والأعراق، وكانت “البرزة” التي يعقدها السيد سعيد مجلسا ضم بين دفتيه مستشاريه ووزراؤه وأبناؤه وموظفو الدولة وأعيانها وعامة الناس.
وقد ارتبط السيد سعيد بن سلطان بعلاقة وطيدة مع الزعماء المحليين في شرق إفريقيا، من خلال مشاركتهم في السلطة المحلية وإدارة شؤون القبائل واحترام خصوصياتهم السياسية وصفاتهم الاجتماعية وأعرافهم وعاداتهم وتقاليدهم، وعدم التدخل في شؤونهم الداخلية، الأمر الذي جعلهم يتقبلون ويقدرون السلطة الحاكمة، وقيام علاقات بينهم قائمة على المودة وحسن الجوار، والاحترام المتبادل بين الطرفين؛ وفي ذلك إشارة واضحة لبعد نظره، وحنكته السياسية والعسكرية.
وقد صف الأسطول العماني في عهد السعيد بكونه ثاني أقوى قوة حربية في المحيط الهندي، حيث أدرك السيد سعيد بأن دولته المترامية الأطراف لابد أن تستند على أسطول تجاري حربي قوي يساهم في تثبيت أركان دعائم إمبراطوريته، وازدهارها الاقتصادي، فعمل على تجهيزه بأقوى السفن المجهزة بالعدة والعتاد، واختار لهذا الأسطول قادة تميزوا بالكفاءة العالية، فنشطت بذلك الحركة التجارية التي شارك فيها مختلف الفئات السكانية، كما سمح لهم بحرية مزاولة التجارة وتذليل مختلف المشكلات والصعاب التي واجهتهم، ومثال ذلك إعفاء السلطان سعيد بعض الفئات من الرسوم الجمركية أو تخفيض نسبتها، وقد ساهم ذلك بتقوية الاقتصاد العماني، وحرص مختلف الدول في تلك الفترة على الارتباط بمعاهدات واتفاقيات تجارية مع السيد سعيد، وتعيين ممثلين سياسيين وتجاريين لها في مسقط و زنجبار؛ لإيجاد موطئ قدم لها في المنطقة، فأدى ذلك الازدهار السياسي والاقتصادي والثقافي والعلمي.
وكل ما سلف كان حافزا لامتداد تجارة السلطنة من الساحل إلى داخل مجاهل القارة الإفريقية، وقد رافق تلك القوافل التجارية انتشار سريعاً للإسلام بين كثير من القبائل الإفريقية في مناطق مختلفة منها البحيرات الإفريقية، وأوغندا، والكونغو، ورواندا، وبروندي، ونياسا، وزامبيا، وموزمبيق؛ في ظل روح التسامح والمحبة واحترام الآخرين وهي سمات ميزت التجار العمانيين من رعايا السيد سعيد بن سلطان عن غيرهم، وساهم هؤلاء التجار في إنشاء عدد من المراكز التجارية داخل البر الإفريقي.
رافق ذلك انتشاراً واسعاً للثقافة الإسلامية العربية ومفرداتها التي ظهرت جلية في مظاهر حياة السكان ومعيشتهم كالملبس والمسكن والمأكل والمشرب والحديث، وانتشرت اللغة العربية التي عدت لغة الدولة الرسمية والمكاتبات الحكومية، وظهرت كذلك اللغة السواحيلية التي مثلت في أصلها امتزاجا وتلاحماً مشتركاً بين لغة قبائل البانتو الإفريقية واللغة العربية، واتسع نطاق انتشار ها في كل أرجاء شرق إفريقيا مع توغلها إلى داخل القارة الإفريقية.
وقد اختط السيد سعيد بن سلطان “سلطان مسقط وزنجبار” سياسةً إفريقيةً واضحة المعالم جعلت من زنجبار مركزا سياسيا واقتصاديا وعلميا وحضاريا للإمبراطورية العمانية، ولذا فقد وصفته المصادر المحلية، والأجنبية بأنه أكفأ الحكام، وأكثرهم حنكة وإدارة، وله من عظيم الهمة، وبعد الصيت مما يجعله بحق من أبرز الحكام والسياسيين في تاريخ آسيا وأفريقيا في القرن التاسع عشر الميلادي، ونختم بوصف المستكشف الإنجليزي ريتشارد بيرتون السيد سعيد بقوله: “كان الأول في الحرب، والأول في السلم، والأول في قلوب أهل بلده. ”



📜المصدر كتاب/
Die heutige Türkei/
Hellwald, Friedrich von, 1842-1892.
Created / Published
Leipzig : O. Spamer, 1878-79.

🗞️مجلة جليسون



