د. بدر بن أحمد البلوشي
في زمن تتسارع فيه التحولات وتتعدد فيه التحديات، يبقى مجلس الشورى هو القلب النابض الذي يجمع إرادة الوطن في نبض واحد، يعكس آمال المواطن ويصوغ تطلعات الدولة بلغة المشاركة والمسؤولية.
ليس الشورى مجرد قاعة يجتمع فيها الأعضاء، بل هي فكرة نابعة من عمق التجربة العمانية، وجزء من هوية هذا الوطن الذي تأسس على الحوار والإنصات والتكامل بين القيادة والشعب.
إن الحديث عن مجلس الشورى ليس حديثا عن مؤسسة فحسب، بل عن منظومة وعي، وتجربة متفردة في بناء دولة حديثة بملامحها الأصيلة.
فالشورى في عمان لم تكن طارئة، بل نابعة من تاريخ ضارب في الجذور، حين كانت الكلمة الصادقة والمشورة الراشدة سلاح العمانيين في مواجهة الأزمات وصناعة القرار.
من هنا، لا يمكن النظر إلى أعضاء المجلس إلا بوصفهم شركاء في صناعة القرار الوطني، يحملون مسؤولية كبرى في نقل صوت المواطن بكل أمانة، ويجتهدون في تقديم الرأي والمشورة التي تعين متخذ القرار على رؤية الصورة بأكملها.
فهم في الحقيقة ضمير الوطن، وحلقة الوصل بين احتياجات الناس وتطلعات الدولة.
وقد يُساء أحيانا فهم بعض المواقف أو الآراء، فتبدو وكأنها اختلاف في الموقف، بينما هي في جوهرها اختلاف في زاوية النظر، لا في الهدف. فالغاية واحدة: رفعة هذا الوطن وصون مصالحه.
وما أكتبه اليوم ليس تبريرا، بل توضيحا لمكانة المجلس التي نعتز بها جميعا، ولدور أعضائه الذين نجلهم ونحترم اجتهادهم وإن اختلفنا في الأسلوب.
إن الاختلاف في الرأي هو روح الشورى، وهو ما يجعلها حية وقادرة على التطور، أما الاتفاق الدائم دون نقاش فليس شورى بل صمت.
والشورى العمانية الحقيقية هي التي تحتمل التعدد في الرؤى، وتستوعب النقد البناء، وتفرق بين من يعارض حبا في الوطن ومن يعارض لمصلحة ضيقة.
لقد قدم المجلس خلال دوراته المتعاقبة تجارب مشرفة في الدفاع عن قضايا المواطن، ومواقف وطنية مخلصة في ملفات العمل والتوظيف والتعليم والصحة والاقتصاد.
ولا يمكن لأي منصف أن ينكر حجم الجهد الذي يبذله الأعضاء في ظل صلاحيات محدودة، تحتاج اليوم إلى مراجعة وتوسعة تعزز دورهم التشريعي والرقابي.
فما نطمح إليه جميعا هو مجلس شورى أقوى، وأقدر على التأثير، وأوسع في الصلاحيات، بحيث يكون شريكا حقيقيا في صياغة القوانين ومراقبة تنفيذها، لا مجرد ناقل للهم الشعبي.
إن تطوير الصلاحيات ليس مطلبا للأعضاء وحدهم، بل هو مصلحة وطنية عليا تعزز مبدأ المشاركة وتوسع قاعدة القرار.
إن المجلس بمكانته وهيبته يجب أن يُمنح أدوات العمل التشريعي الفاعل، ووسائل الرقابة المؤسسية المستقلة، وأن يُعزز بالتخصصات والخبرات التي تجعل منه مدرسة في الفكر والسياسة والإدارة.
فالأمة التي تحسن الإصغاء لمجالسها هي أمة تكتب مستقبلها بوعي.
وما من أحد يسعى إلى التقليل من دور المجلس أو النيل من هيبته، بل إن الحرص على إصلاحه وتطويره هو عين الولاء له، لأن النقد المسؤول هو البوابة الأولى للتصحيح.
والنية الصافية لا تبتغي إلا أن ترى مجلسا أكثر حضورا، وأعضاء أكثر تأثيرا في صناعة القرار.
كم هو جميل أن يُعاد بناء الثقة بين المجلس والمجتمع، بين العضو والناخب، وبين الكلمة والموقف.
فالثقة لا تُمنح، بل تُبنى بالحوار والتفاهم والتعاون، وهي أساس العلاقة التي يجب أن تسود بيننا جميعا.
وما أكتبه اليوم هو امتداد لتلك الثقة التي أراها جسرا متينا بين القلوب.
ولعل أجمل ما في التجربة العمانية أنها تعلمنا أن نختلف بلباقة، ونتناقش بمحبة، ونسعى للإصلاح لا للتشهير.
فلا أحد فوق النقد، ولا أحد يحتكر الوطنية.
فالوطن يسع الجميع، ومجلس الشورى هو مرآة هذا الاتساع النبيل.
إن العضو الذي يجلس تحت قبة الشورى يحمل على كتفيه أمانة ثقيلة، تتطلب توازنا بين المطالب الشعبية والواقع التنفيذي، بين الحلم والقدرة، بين الصوت والغرض.
وهنا تأتي الحاجة إلى تعاون الإعلاميين والمثقفين مع المجلس في ترسيخ الوعي بدوره الحقيقي، بدل اختزاله في ردود الأفعال.
وفي نهاية المطاف، يبقى المجلس وأعضاؤه رمزا لروح المشاركة التي نعتز بها، ويبقى الاختلاف وسيلة لا غاية، والنقد لغة لا خصومة، والحوار سبيلا لا معركة.
إن وطننا يستحق أن نجتمع حول فكرته الكبرى لا أن نتنازع على التفاصيل.
فلنعد للشورى وهجها، وللثقة بريقها، وللكلمة قيمتها.
فبالحوار تتقوى المؤسسات، وبالتكامل تصان الأوطان، وبالإخلاص تبنى الدول.
