عقيل يوسف عيدان – كاتب كويتي
يوماً بعد يوم، يُحوّلنا عالمنا سريع الإيقاع والأسلوب إلى قرّاء سريعي الوتيرة والنمط، يلتهمون الكتب بنهم من دون إعطاء أنفسهم فرصة للتفكير العميق أو التأمّل فيما قرأوا. لدرجة أن أحداً لا يجرؤ على تفحّص ما أثاره ذلك الكتاب في داخله من أفكار ومشاعر، أو كيف غيّر نظرته إلى العالم.
نحن ضحايا الاستهلاك الثقافي، حيث نتعامل مع الكتب كسلعٍ استهلاكية سريعة الزوال. نقع، من دون أن ندرك، في سطحية اللغة، ونكتفي بالمعلومات المرئية دون الغوص في المعاني العميقة والدلالات الخفيّة. نريد كُتباً تَغمُرنا بالإثارة والتسلية، بينما في الواقع يجب أن نطلُب كُتُباً تُغيّرنا، تُعيد تشكيل وعينا، وتُحدث تحوُّلاً جذرياً أو مُهمّاً في طريقة تفكيرنا وشعورنا. تخيّل أنْ تقرأ رواية مثل “مئة عام من العزلة” لغابرييل غارسيا ماركيز ، فبدلاً من مُجرّد الاستمتاع بالقصة، تتوقَّف للتفكير في موضوع الوحدة، والذاكرة، ودور التاريخ في تشكيل الهُوية، وكيف تنعكس هذه الموضوعات على حياتك الشخصية ومجتمعك.
إنّ التحوّل الحقيقي، في ظني، يتطلب تريُّثاً وتأمُّلاً وذاكرة قوية. فلا يكفى الشعور العابر الذي يتركه الكتاب، بل يجب أن نُسمّي تلك المشاعر، ونستوعب الأفكار الجديدة، ونُترجم ما فعله الكِتاب فينا إلى أفعالٍ وممارساتٍ في حياتنا اليومية. على سبيل المثال، إذا قرأت كتاباً عن أهمية ممارسة الامتنان، لا يكفي أن تشعر بالامتنان لحظة القراءة، بل يجب أن تتبنى عادة يومية لكتابة الأشياء التي تَشعُر بالامتنان تُجاهها، أو التعبير عن امتنانك للأشخاص من حولك. ولعلّ هذا ما يَفصِل القارئ المُفكّر الذي يتفاعل مع النص بعمق عن المُستهلك الثقافي الذي يَمُر على الكلمات مرور الكرام، من دون أن يترك له الكتاب أيَّ أثر دائم. القارئ المُفكّر يرى في الكتاب مرآة تعكس ذاته وتحدِّياته، بينما المستهلك الثقافي يرى فيه مجرد وسيلة للترفيه المؤقت.
