آمنة بنت محمد البلوشية
بعيدًا عن المدن وضجيج الحياة، بين جنبات قرية ساحلية حيث أمواج البحر تتلاطم برقة على أقدامهن، تجلس نساء المعصرات على حصير صغير. الهواء مشبع برائحة الملح والطحالب، وصوت الموج يهمس كما لو كان يحمل أخبار الحارة.
وهنّ على الحصير، يسكبن القهوة، ترددن معًا أغنية قديمة:
“عودتني، كل يوم أسمع أنا صوتك… وعودتني لا ضاق صدري ما تخليني… والله وغيابك طال ما أدري وش أسبابه.”
تتخلل كلمات الأغنية ضحكاتهن، وهمساتهن، وكأن البحر نفسه يشاركهن الغناء. لكن بين تلك الأنغام، كان للحديث مسار آخر؛ حيث الأسرار تنتقل أسرع من موج البحر.
قالت إحداهن وهي ترفع يدها باستغراب:
“تخيلوا، جارتي ذهبت لإجراء فحوصات، وكل الحارة صارت تعرف حالتها قبل أن تصل إلى بيتها!”
ردّت الأخرى بابتسامة نصفها تهكم:
“الخصوصية؟ عند بعض الموظفين لا وجود لها. كل شيء يُفشى، من ضغط الدم إلى موعد الدواء، كأنهم يتنافسون في نشرالأخبار بدل كتابة التقارير.”
ضحكت الثالثة، وهي تهز رأسها:
“حتى الأشخاص المفترض أنهم أقسموا على حفظ أسرار المرضى يصبحون ناقلين للأخبار دون أن يدروا. كل فحص، كل وصفةدواء، كل موعد مراجعة… يتحول إلى حديث الحارة قبل أن يعرف صاحبه.”
أضافت رابعة وهي تحرك فنجانها ببطء:
“يا أخواتي، المستشفى صار مثل السوق، كل واحد يبيع ويشتري في الأخبار. المريض يدخل للعلاج… يخرج وهو خبر عاجلفي جروبات الواتساب!”
قالت أخرى وهي تقلب الفنجان كأنها تقرأ مستقبلاً غريبًا:
“المضحك أن بعض الموظفين يتعاملون مع أسرار المرضى وكأنها نشرات الطقس: درجة الحرارة، الضغط، السكر… كلها أرقامتُذاع بلا أي اعتبار.
هزت واحدة كتفيها وأضافت:
“المفترض أن القوانين تحمي المريض وتضمن سرّيته، لكن ما يحدث أن القوانين نفسها تتحول إلى ديكور على جدرانالمكاتب، تُقرأ في اللوائح ولا تُطبق في الواقع.”
ضحكت الأولى بحرقة خفيفة:
“بل بعض الموظفين غير المختصين يعرفون تفاصيل علاج المريض من أول نفس أكسجين صناعي إلى آخر وصفة دواء… وكأن المريض لم يدخل ليُعالج، بل ليُعرض ملفه على الناس!”
تدخّلت إحداهن وهي تلوّح بيدها:
“وتخيلوا جارتنا توفيت، وأهلها بعد ما وصلهم خبر الوفاة… لكن خبر موتها انتشر في جروبات مسمّاة (الأموات)! كأن الناسيستعجلون إعلان النهاية قبل أن يصل صوتها لبيتها.”
ارتجفت الأخرى وهمست:
“بسم الله الرحمن الرحيم… من أخلاق البشر إلا لا تشعر. صاروا يتاجرون حتى بالخبر الحزين!”
وهنا كأن الريح حملت صوت مصطفى صادق الرافعي من بعيد:
“جئنا إلى هذه الحياة غير مخيّرين، ونذهب غير مخيّرين؛ فمدّ يدك بالرضا والمتابعة للأقدار، أو انزعها إن شئت، فإنك علىالطاعة ما أنت على الكره.”
تأملت النساء الجملة لحظة، ثم قطعت إحداهن السكون وهي تضع فنجانها جانبًا:
“كلام جميل يا بنات، لكن على الأقل نحن مخيّرين في شيء واحد… القانون! المفترض يطبق على كل من تسوّل له نفسه فتحملفات المرضى عبر النظام. وإلا… ما قيمة القسم، وما جدوى الأنظمة؟”
ضحكت الأخرى بمرارة:
“القانون يا أختي موجود… لكن على الورق. أما الملفات؟ مفتوحة كأبواب السوق، يدخل منها الفضول قبل أن يدخل الطبيبالمختص.”
ساد صمت ثقيل، لا يكسره إلا صوت الموج… ثم انطلقت ضحكة عالية من آخر المجلس:
“عاد تخيلوا يا بنات… يمكن يوم من الأيام نلقى أخبارنا الطبية معروضة في السوبرماركت، جنب عرض البصل والطماطم:(اشترِ فحص سكر وخذ ضغط مجانًا)!”
انفجر الجمع بالضحك، وهزّ الموج شاطئ القرية وكأنه يصفق لهن، بينما بقي الحصير شاهدًا على حديث بدأ بالحنين، وانتهى بكوميديا سوداء عن مستشفيات بلا أسرار.
