يعقوب الخنبشي/ كاتب وأديب
يبرز أحمد بن مبارك النوفلي في المشهد الثقافي العماني؛ بوصفه واحدا من أكثر الأصوات جرأة وعمقا في تفكيك بنية الفكر الديني والتأويلي، مستندًا إلى رؤية علمية نقدية تمزج بين التراث الأصولي والرؤية المعاصرة للعقل واللغة والنص.
يقول النوفلي في كتابه “تأويل القرآن .. المناهج والإشكالات” :” استطاع الفكر الديني التقليدي بقصد أو دون قصد زرع الخوف في قلوب الناس من تدبر القرآن أو تفسيره وتأويله ، وحصر التدبر في آيات الجنة والنار من أجل الانقياد لرأي واحد، أو للرأي السائد”
لذلك فأن مشروعه ليس انفعالًا بحداثةٍ مستعارة، ولا امتدادًا لموروثٍ تقليدي جامد، بل هو محاولة لإعادة هندسة العلاقة بين العلم والظن، والاجتهاد والرأي، والنص والعقل، ضمن قراءة جديدة تجعل من الفكر الديني مجالا للبحث لا ميدانا للوصاية.
حيث يظهر هذا المنحى جليا في هذا الكتاب ، ليعيد النوفلي مساءلة طرائق المفسرين في التعامل مع النص القرآني، ناقدا مناهج التأويل القديمة التي اختزلت المعنى في حدود المذهب، أو حجبت النص وراء سطوة القداسة البشرية. إنه يقترب من القرآن بعين المفكر لا بعين الواعظ، فيتعامل مع النص باعتباره فضاء مفتوحا للحوار، لا قالبا مغلقا للتلقين. وبذلك يؤسس لوعي جديد يجعل من التأويل علما متحركا، ومن الاجتهاد فعلا مستمرا يعيد إنتاج الفهم تبعا لتطور الوعي الإنساني.
أما في كتابه «أثر الفقه العماني في السلوك المجتمعي»، فيمارس النوفلي قراءة أنثروبولوجية رفيعة، تربط الفكر الفقهي بالحياة اليومية، وتكشف عن البنية الأخلاقية والاجتماعية التي شكلها الفقه الإباضي في الوعي الجمعي العماني. إنه لا يكتفي بتوصيف الأثر، بل يتتبع مساراته النفسية والاجتماعية، فيظهر كيف أسهم الفقه في بناء مفهوم التسامح وضبط السلوك الجماعي ضمن إطار من التوازن بين النص والواقع.
يمتد مشروع النوفلي في سلسلة «أقانيم اللامعقول» بأجزائها الثلاث؛ ليخوض في عوالم الرؤيا والحلم والعقل والتاريخ، باحثا عن العلاقة الملتبسة بين الغيب والمعرفة، بين ما يتجاوز الإدراك وما يخضع للتجربة. في هذه السلسلة، يتحرك النوفلي على تخوم الفكر والكشف، محاولًا فهم اللامعقول بمنطق معرفي لا يسلبه غموضه، بل يضيئه من الداخل. إنها محاولة لتصحيح علاقة الإنسان بالوحي دون أن يختزل في النقل أو يغرق في التجريد.
إن مشروع أحمد النوفلي في جوهره صرخة فكرية هادئة، تعيد الاعتبار للعقل دون أن تمس قدسية النص، وتستنهض الاجتهاد دون أن تطيح بثوابته. إنه يدعو إلى فكر متعبد بالعقل، وإيمان متنور بالمعرفة، وإلى خطاب ديني يستوعب تعددية الفهم بدل أن يقصيها. ومن خلال هذا المسار المتزن بين العلم والإيمان، بين النقد والورع، يقدم النوفلي نموذجا للمفكر العماني الجديد: منفتحا على الفلسفة، مشدودا إلى التراث، ومتطلعا إلى فقه يواكب الإنسان لا يقيده. هكذا يغدو مشروعه فصلا من فصول النهضة الفكرية العمانية، ورهانا على عقل يحسن الإصغاء إلى النص دون أن يفقد حريته في السؤال.
في كتاب النوفلي تأويل القرآن يبحر بنا نحو أشرعة متعددة أهمها
الصراع السياسي على جمع القرآن، نزاع مفهوم الأحرف السبعة، أسباب تضخم التفاسير، التجارب التفسيريه، الدراسات الاستشراقية، القراءات المعاصرة.
الكتاب صادر عن دار الانتشار العربي.
