نافجة بنت علي العلوية
يقال إن الجهل نعمة، ويقال أيضًا إن المعرفة قوّة. لكن بين هذين القولين مساحة واسعة يسكنها الكثير، حيث يتحوّل الوعي من بصيرة منيرة إلى عبءٍ خانق. تلك هي “لعنة الوعي”؛ أن تدرك أكثر مما ينبغي، وأن ترى المخاطر بوضوحٍ لا يراها به من حولك، وأن تُحاصر بأسئلة لا يتوقف صداها في داخلك.
الوعي في جوهره ليس لعنة، بل من أعظم ما ميّز الله به الإنسان. غير أنه يصبح كذلك حين يتصادم عمقه مع سطحية الثقافة السائدة. كالطبيب الذي يعرف أسرار الجسد وصحته ويقدّر القيمة الغذائية ويهتم بالنشاط البدني، لكنه يجد نفسه محاطًا بموروث غذائي سيئ وقناعة محبطة يرددها من يأبى التغيير بجملة باردة “كلّنا سنموت” هنا لا تنطفئ الحقيقة، وتُخنق تحت وطأة اللامبالاة، فيتحوّل وعي الطبيب من نعمةٍ تنقذ إلى عبءٍ يُثقل روحه لأنه يرى النور بينما من حوله يُصرّون على العيش في العتمة.
وليس الوعي مقصورًا على قضايا الصحة وحدها، بل يمتد إلى شتى تفاصيل الحياة. من يدرك خطورة الكلمة يتألّم حين يسمع الاستهزاء يُتداوَل كطُرفة. ومن يعرف قيمة العدل يتعب حين يرى المجاملات تتغلب على الحقوق. ومن يعي أثر البيئة يضيق صدره من استهتار الناس بالنفايات وكأن الأرض بلا روح. إنها المعاناة الأبدية لمن يرى أبعد مما يراه الجمع.
تشير دراسة حديثة نُشرت عام 2025 في Journal of Psychiatric Research شملت مراهقين إلى أنّ العلاقة بين الذكاء والوساوس القهرية أشبه بمنحنى مقلوب: حين تكون الأعراض الوسواسية معتدلة بدا أن الأداء الذهني أرقى، لكن حين تشتد تتحول إلى عائق اجتماعي ونفسي. وكأن الحياة تهمس لنا بأن الوعي، مثل الضوء، يحتاج إلى قدر من الظل كي لا يعمي البصر. عندها فقط، يتحول الإدراك من عبء يرهق الروح إلى بوصلة تضيء الطريق، مهما عمّت حولنا العتمة.
هذا التأمل أعادني إلى آيتين في سورة الكهف.
الأولى تخاطب النبي ﷺ لتكون نهجا مريحا لنا أيضا :
﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا﴾ الكهف: 6
وكأنها تقول: لا تُحمّل روحك فوق طاقتها لأن الآخرين لا يريدون أن يُبصروا.
أما الثانية فهي:
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم﴾ الكهف: 28
وصفة عملية ضرورية للواعي: ابحث عن الصحبة التي تشاركك نور الوعي، حتى لا يتحوّل إلى جرحٍ داخلي.
هندسة البيئة الاجتماعية: استجابة “كلّنا سنموت” تُطفئ أي حافز للتغيير. ابني دائرة صُحبة تؤمن بقيمة الفعل الصحي وتخفّف وحشة الطريق.
في حياتنا اليومية، ليس المطلوب أن نتخلّى عن وعينا كي نرتاح، بل أن نتعلّم كيف نُهذّبه. أن نفهم أن كثرة السؤال قد تُرهقنا، لكنّها أيضًا دليل على فؤادٍ يقظ. أن ندرك أنّ الوعي لا يطلب منّا الكمال، بل أن نعيش بصورةٍ أعمق وأكثر مسؤولية.
الوعي لا يصنع القلق بالضرورة، بل يمنحنا القدرة على الاختيار. نحن من نقرّر: هل نترك وعينا يتحوّل إلى لعنة نُحاصر بها أنفسنا في دوائر القلق والوساوس؟ أم نحوّله إلى نعمة تُضيء الطريق، ولو سار فيه قِلّة؟
الخلاصة أن لعنة الوعي ليست حتميّة. هي امتحان لمدى قدرتنا على التوازن. إمّا أن نسقط فيه فنغدو أسرى لإدراكنا الحاد، وإمّا أن نرتقي به فنصنع من وعينا واحةً لنا ولمن حولنا. وبين هذا وذاك، تبقى وصية الكهف صالحة لكل قارئ: لا تحزن حدّ الانكسار على من يُعرض، ولا تيأس من نورك، واصبر نفسك مع الصالحين، فبهم يتحوّل ثِقل الوعي إلى طمأنينة، ولعنته إلى نعمة.
