د. بدر بن أحمد البلوشي
لم يكن الخبر المتداول عن طرح اسم رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير لتولي إدارة غزة مؤقتا، مجرد تسريب عابر أو فكرة طارئة، بل كشف عن مسار خطير يتجاوز السيادة الفلسطينية، ويعيد إلى الواجهة سؤالا قديما.. هل يمكن لوصاية خارجية أن تكون بديلا عن تضحيات الشعب الفلسطيني الممتدة لعقود؟
المسودة التي نقلت تفاصيلها عبر وسائل إعلام إسرائيلية وغربية، تحدثت عن إنشاء هيئة انتقالية دولية واسعة الصلاحيات، تتولى التشريع، وتعيين القيادات، وتوجيه السياسات، والتنسيق مع المجتمع الدولي، مع تهميش متعمد لحركة حماس، وتقييد دور السلطة الفلسطينية، وكأن غزة كيان يمكن إعادة هندسته بقرار فوقي.
ردود الأفعال لم تتأخر، إذ أثارت الفكرة موجة من الرفض والسخرية على منصات التواصل، حيث اعتبرها كثيرون خيانة لتضحيات الفلسطينيين، واستهزاء بدماء الشهداء.. وارتفعت أصوات ساخرة تقول: “إن كان لا بد من إدارة أجنبية، فليعط بلير مهمة إدارة إسرائيل وغزة معا!”، في إشارة إلى عبثية الطرح وعدم واقعيته.
في المقابل، المواقف الرسمية العربية جاءت أكثر وضوحا وصلابة، حيث أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن بلاده لن تكون طرفا في أي “عمل جائر” يمس الفلسطينيين أو يمهد لتهجيرهم، وهو موقف يعكس إدراكا عميقا بأن الأمن القومي المصري والعربي لن يحتمل سيناريوهات مفتوحة على الفوضى.
دول عربية أخرى، منها السعودية والأردن، دخلت في مشاورات لطرح بدائل عربية تحفظ كرامة الفلسطينيين وتسد الطريق أمام المشاريع المفروضة.. هذه التحركات تعبر عن وعي متزايد بأن ترك الملف الفلسطيني رهينة خطط غربية سيقود إلى خسائر استراتيجية أعمق على مستوى المنطقة بأسرها.
الولايات المتحدة، من جانبها، تواصلت مع بعض العواصم الخليجية لبحث “ما بعد الحرب”، لكنها لم تصل إلى اتفاق حاسم، وهو ما يعكس حجم الفجوة بين الطموحات الأمريكية وبين الحسابات العربية التي لا تستطيع القفز على مشاعر شعوبها ولا على خطورة إقصاء الفلسطينيين من معادلة مصيرهم.
القضية ليست مجرد نقاش دبلوماسي، بل اختبار لإرادة الشعوب.. المقاومة الفلسطينية أعلنت عمليا ـ عبر موقفها الثابت ـ أن أي وصاية خارجية ستكون مرفوضة رفضا قاطعا، لأن من قدم آلاف الشهداء لن يقبل بأن تدار أرضه بقرار من عاصمة بعيدة أو بيد شخصية مشبوهة الصلة بالمشروع الصهيوني.
هنا تبرز معضلة حقيقية.. حتى لو وافق بعض العرب، أو سكتت أطراف رسمية عن الطرح، فإن الشرعية الشعبية على الأرض لا تمنح بقرار سياسي، بل تنتزع بالميدان، والشعب الفلسطيني كان وسيبقى هو صاحب الكلمة الفصل في تقرير مصيره.
الخطر الأكبر في مثل هذه المشاريع يكمن في أنها قد تُمدد حالة “المؤقت” إلى أجل غير مسمى، فتصبح الإدارة الانتقالية واقعا دائما، كما حدث في تجارب عديدة حول العالم.. وهذا يعني عمليا تجميد القضية الفلسطينية بدلا من حلها، وإطالة أمد المعاناة بدلا من إنهائها.
ولعل اللافت أن النقاشات الشعبية لم تقتصر على الرفض السياسي، بل ارتفعت نبرة الدعوة إلى جعل “المصلحة العربية والإسلامية” هي البوصلة الحقيقية، أي أن أي مبادرة لا تنطلق من تثبيت الحقوق الفلسطينية، واستعادة السيادة الموحدة، لن تكتب لها الحياة مهما زخرفتها البيانات الدولية.
في ضوء كل هذه المعطيات، يبدو أن مشروع الوصاية الدولية يفتقد للشرعية من أساسه، لأنه يتجاهل أن الشعب الفلسطيني ليس طرفا هامشيا، بل هو جوهر القضية.. وأي حل لا يمر عبر مشاركة السلطة الفلسطينية، والمجتمع المدني، والأهالي أنفسهم، هو وصفة لمزيد من الفوضى والانفجار.
إن الرسالة التي تخرج اليوم من الشارع، ومن المواقف الرسمية، ومن أصوات الرأي العام، هي واحدة.. السيادة الفلسطينية خط أحمر، والتضحيات ليست سلعة للتفاوض، وغزة لن تكون حقل تجارب لمشاريع دولية عابرة.. قد يختلف اللاعبون على تفاصيل الخطط، لكن الحقيقة التي لا تتغير هي أن دماء الشهداء صنعت شرعية لا تباع ولا تشترى..
