الكاتب المسرحي فهد أحمد الباكر – دولة قطر
fbakermf@hotmail.com
لم يعد خافيًا حجم التلوث المسرحي الذي اجتاح ساحاتنا في السنوات الأخيرة. فقد تسللت إلى الخشبة عروض تجارية رخيصة، لا تحمل من المسرح سوى اسمه، ولا تقدم للجمهور غير نكات مبتذلة وضحكات عابرة تجرح الذوق وتستنزف المعنى. عروضٌ قامت على ارتجال مفرط، وغابت عنها الرؤية الإخراجية، فانفصلت عن النص المكتوب، واستبدلت به لهاثًا وراء تصفيق مجاني.
الكارثة أن جيلًا كاملًا نشأ ولم يعرف من المسرح إلا هذا النموذج المشوّه. فبدل أن يكون المسرح منبرًا للتنوير وصناعة الفكر، صار ساحة للتهريج والفهلوة. والأسوأ أن بعض الشباب اتخذوا من ممثلي هذا اللون قدوةً لهم، فراحوا يقلدون سطحيتهم وارتجالاتهم، ناقلين العدوى إلى جيل آخر، كفيروس ينتشر أسرع من بذور الإبداع.
ومع ذلك، ثمة بارقة أمل. بين صفوف الجيل الجديد من يملكون استعدادًا صادقًا ليكونوا ممثلين حقيقيين، قادرين على الغوص في أعماق النصوص وتجسيد الشخصيات برؤية واعية. لكنهم يقفون على مفترق طرق: إما أن ينأوا بأنفسهم عن ساحة ملوّثة، أو يستسلموا لضغط الواقع ويقعوا في فخ المهرجين، ظنًا أن ذلك الطريق الأقصر إلى الشهرة.
وهنا ينهض السؤال: هل نترك جيلًا كاملًا يضيع بين أنياب التهريج؟
الجواب: لا.
مسؤوليتنا ـ نحن المسرحيين والنقاد ـ أن نواجه هذا الواقع، وأن نمنح الشباب البديل الحقيقي: ورشًا صادقة، برامج تدريبية منهجية، أدوات للفهم والتحليل، جسورًا تربطهم بالتيارات المسرحية العالمية، وأبوابًا مفتوحة على فلسفة المسرح وروحه.
على الجيل الجديد أن يدرك أن المسرح ليس طريقًا سهلاً إلى الشهرة، بل رسالة ومسؤولية. المسرح الحقيقي لا يقتات على النكت الرخيصة، ولا يلهث وراء الضحكات السطحية، بل يزرع القيم، ويصوغ الوعي، ويطرح الأسئلة الكبرى.
والممثل الحق هو من يحترم النص، ويحترم الجمهور، ويحترم نفسه أولاً.
المعركة اليوم ليست بين أجيال، بل بين مسرح حقيقي ومسرح مزيّف. والرهان معقود على وعي الشباب: أيختارون طريق التقليد والاستسهال، أم طريق التنوير والإبداع؟
إن المسرح الذي نريد، هو المسرح الذي لا يخرج منه الجمهور بلا أثر، بل يخرج وفي ذهنه فكرة، وفي قلبه إحساس، وفي وجدانه سؤال.
هذا هو المسرح الذي ينبغي أن يؤمن به الجيل الجديد، بعيدًا عن ضجيج المهرجين
