آمنة بنت محمد البلوشية
ayaamq222@gmail.com
أسترجع ذاكرتي القديمة، وأعود إلى كتب ومؤلفات من حملوا فكر الإنسانية والفلسفة والحكمة: أستحضر عمر الخيام الذي علمني أن الحياة قصيرة، وأن الإنسان أمام قدره، وأن نحتفل بلحظات الجمال رغم صخب الألم. أستحضر ابن خلدون الذي علمني أن الأمم تمر بمراحل من الصعود والهبوط، وأن التاريخ يُسجل الألم كما يسجل الإنجاز، وأن فهم المجتمعات يكشف جذور ما يحدث اليوم. أستحضر الإمام الغزالي الذي علمني أن الروح تحتاج إلى التأمل والتوازن بين العقل والقلب، وأن الصبر على البلاء سبيل للثبات واليقين.
النساء المعصرات كنّ يجلسن فوق الحصير، وعينهن تلتقط كل تفصيل صغير من حولهن. إن فاتني شيء، كنت أعلم أن لديّ وكالة أنباء كاملة في الحارة، فلكل خبر صدى في همساتهن وملاحظاتهن اليومية. كنّ ينافسن عمر الخيام في اختراع مواضيع الفلك والنجوم، في محاولة لمعرفة الموسم القادم، أو متى سيطل علينا نجم سهيل، وكأن الحصير هو مركز الكون، والعالم كله يدور حول بصيرتهن.
كنّ يحفظن أهازيج رباعية يرنمن بها فوق الحصير، وكل كلمة منها تنثر ذاكرتهن على الأرض والحواري. لم يتفلسفن عن الحياة، ولم يكن الشأن نظريات عميقة، لكن نظرتهن كانت مثل ورقة خريفية، رقيقة، قابلة للسقوط في أي لحظة، تدرك هشاشة الوقت وتقبّل تغيره، وتعلم أن كل لحظة عابرة تستحق أن تُلاحظ وتُحفظ في الذاكرة.
كانت الحريم المعصرات تحت ظل شجر الغاف والسمر، يتبادلن الأخبار والقصص والتفاصيل اليومية، ما يمرّ في الحارة لا يفوتهن، وكل ما يُقال يُتداول بحرفية وكأن لديّ وكالة أنباء حية. كنّ يتحدثن عن كل شيء: موسم الزرع، نجم سهيل، أهازيج رباعية، وحتى الأحداث الصغيرة التي تشكل نسيج حياتنا اليومية.
ومع مرور الأيام، بدأت هذه التفاصيل تتوسع لتشمل الراتب والوظائف والباحثين عن عمل، ومن مقولة “زيدني” إلى حديث عن من بعثر الحكايات، حتى صار لكل حديث صدى على وسائل التواصل الحديثة. أصبح الحديث عن إنستغرام ومنصة إكس، من قال هذا ومن قال ذاك، وكأن الحارة كلها انتقلت إلى العالم الرقمي، وفقدت التفاصيل الدقيقة التي كانت تُروى تحت الشجرة.
حتى الإمام الغزالي، لو حضر، لكان لدهشته حدود، فالحريم المعصرات كنّ قد استمرِّن في تبادل الحكمة والملاحظة اليومية، لكن بأسلوب جديد، أسرع وأوسع، يعكس تغيّر الزمان والتقنيات، بينما بقي جوهر الفضول والحرص على معرفة كل شيء كما هو دائمًا في قلب الحارة.
النساء المعصرات حافظن على ذكاء الحارة وروح الفضول، يواكبن العصر بأسلوب كوميدي سريع، وفي الوقت نفسه يطبّقن، دون أن يدركن، دروس الغزالي في الروح والقلق على تزكية النفس، والرازي في الملاحظة العقلية، وابن سينا في الربط بين العقل والتجربة، وابن خلدون في فهم قواعد المجتمع واستقراره، بينما عمر الخيام يطل بين الحين والآخر ليذكّرهن بأن الحياة قصيرة وأن كل شيء عابر كورقة خريفية.
وفجأة، بدأ الشباب يظهر في الحارة بمظهر جديد؛ أصبحوا أكثر ذهابًا للصالونات، يقتنون كريمات الوجه، ويبيعون تونر لتنظيف البشرة، ويظهرون أكثر نعومة من الحريم المعصرات أنفسهن. ضحكت النساء من هذا المشهد، ورأين فيه انقلابًا على كل الموازين: من كان يُفترض أن ينشغل بالعمل صار منشغلًا بالمرطبات، ومن كان يحمل الهمّ صار يلاحق “اللوك” الجديد. لكن أسوأ من ذلك، أن كثيرًا من الشباب لا يعرفون كيف يخطبون، ولا كيف يجلسون في مجلس رجال، ولا كيف يمسكون الدلة والفناجين بالطريقة الصحيحة؛ كثير منهم يمسكون الدلة باليمين والفناجين باليسار، في خطأ يضحك الحريم المعصرات ويظهر جهلهم بتفاصيل بسيطة اعتاد عليها كبار الحارة.
أما البنات، فقد ابتعدن عن بساطة الجدات وفطنة الحارة. الكثيرات لا يعرفن كيف يبخرن أنفسهن، ينتظرن العاملة لتشعل الفحم وترتب المباخر، وإذا غابت تعطلت الطقوس كلها. بعضهن يرتبط مزاجه بكوب لاتيه، فإذا لم يُقدم كما يحب، تعكر يومهن كله وكأن العالم بأسره قد أفسد عليها .
وأصبح بعض كبار السن ينافسون الشباب في ارتداء الملابس القصيرة والجلوس في المقاهي، مستبدلين قهوة العُمانية بالقهوة الغربية، اللاتيه. بينما الحريم المعصرات، يجلسن فوق الحصير تحت ظل الغاف والسمر، يراقبن كل هذا المشهد بتعجب وابتسامة، يتبادلن همساتهن: “قال وقالت”، ويضحكن من التحولات الطفيفة والكبيرة على حد سواء.
وكانت الحريم المعصرات قد اكتشفن، بسخرية لاذعة، أسباب احتكاك مفاصل الجسم خاصة للنساء اللواتي يُجبرن على ارتداء الكعب العالي. فقد لاحظن أن بعضهن يرتدي الكعب ليس من أجل الجمال أو الطول، بل لأن المسؤول المباشر يحب سماع خطوات التمايل، وكأن صوت حذاء الكعب صار جزءًا من تقييم الأداء! ضحكن من هذا المشهد، وأكدن أن هذه اللعبة اليومية تضيف للبعض ألمًا جسديًا، لكنها أيضًا مصدر للتسلية والملاحظة الذكية للحياة اليومية.
الحريم المعصرات اجتزن الذكاء الاصطناعي، وعرفن شروط من يستحق راتبًا شهريًا لغير القادرين على العمل، وتناقشن فوق الحصير كل القوانين واللوائح التي لم تُصرّح بعد. هنا كان ابن القيم يذكرهن دائمًا: “تحملوا همّ الدنيا فإنها لله، ومن عرف نفسه فلا يضره ما قيل فيه، ولا يُضيع الله أجر ذكر اللسان المجرد، ولكن الثواب دون الثواب”. وحثهن على الفرح وحسن الظن بالله، وعلى التفكر فيما عنده، والتوكل عليه لنيل السعادة والرضا، لأن الحزن يضعف القلب ويضر الإرادة، ولا شيء أحب إلى الشيطان من حزن المؤمن.
واحدة منهن قالت: “زيدني… تراني عمياء، وصمه وبكمه، أستحق أن أكون من ضمن التقاعد المبكر! لكن لأني غير متزوجة، يوم أموت معاشي يربط فوق شجرة السمر!”، فارتفعت ضحكات النساء من حولها حتى كاد الحصير يهتز. كلماتها مزيج من الألم والسخرية، فقد أرادت أن تعلن احتجاجها بلغة تضحك وتبكي في آن واحد.
هنا اقترب الرازي من عقلها، قائلاً: “إن الآلام النفسية التي تؤثر على الإنسان لا تقل أثرًا عن الآلام الجسدية، بل إن معظمها ينبع من النفس البشرية ذاتها. ولا علاج لهذه الآلام إلا بالوعي بها وفهمها، ثم السعي لتحويلها إلى طاقة ترفع الروح بدل أن تثقلها.” وأضاف وهو يبتسم: “حين تظنين أن معاشك سيربط فوق شجرة السمر، فأنتِ في الحقيقة تعبرين عن شعور دفين بأن حقوقك معلقة، لكن عليك أن تعلمي أن العلاج يبدأ من الداخل، من مصالحة النفس قبل انتظار عطايا الخارج.”
وفي المجالس، كانت الحريم المعصرات تنافس عمر الخيام في اختراع مواضيع الفلك والنجوم، تحلل كل موسم، وتحدد متى نرى نجم سهيل. وفي الوقت نفسه، حفظن الأهازيج الرباعية التي تدندن بها فوق الحصير، مشاهد الحياة، كل كلمة تحمل تاريخًا ودرسًا صغيرًا، لتبقى ذاكرة الحارة حية.
أما ابن خلدون، فلولا الحريم المعصرات، لما عرف كيف يبني المجتمع الفاضل. كن لديهن قواعد الثبات للمجتمع، اللواتي يعشن ببساطة ويلاحظن كل شيء، بينما الشباب اليوم يركض وراء المرطبات، والصالونات، واللايكات، والصور، ولا يعرفون حتى كيف يخطبون أو يجهزون فنجان القهوة بالترتيب الصحيح.
في هذا المزج يظهر فكر الغزالي الذي يرى تزكية النفس والتأمل في الحياة اليومية طريقًا لمعرفة الله والرضا بالقليل، والرازي الذي يحلل آلام النفس البشرية، وابن سينا الذي يربط بين توازن الجسد والروح، وابن القيم الذي يحث على الفرح وحسن الظن بالله.
