مريم الحتروشي
ها قد تأبطّ أغسطس في طيّاتِهِ يومًا كئيبًا على صور ؛ يومًا خيّمت كآبتُهُ على عمانَ سهلًا وساحلا أهلًا وآهِلا ، يومًا يحملُ نعيَ فقيدٍ عزيزٍ غالٍ ، وابنٍ بارٍّ بها وبأبنائها ، صور المدينة التي أنجبتْهُ وربَّتهُ .
على دروبها صافحَ الصباحاتِ البهيّة ، وعلى شاطئها استرسلتْ نظراتُهُ للمستقبل البعيد، و إلى شواهقها ألقى نظرةَ الأملِ العنيد ، ومن زرقةِ بحرها رسمَ مسارَهُ الأسنى الفريد ، ومع بياضِ الأشرعةِ حلّقَ بطموحِهِ عاليًا ، وعلى ظهرِ سفنِ العائلة التجارية الشهيرة قضى سنواتِ شبابِهِ يعارِكُ مخاطرَ البحارِ وأهوالها ، ويكتسبُ الخبرةَ والحنكةَ والدرايةَ في شؤونِ التجارة عامةً .
هذا السعودُ فكيف بنهجِهِ الألقِ !
كالشمسِ في مهمهِ الأكوانِ كالفلقِ
كالنور يمضي يضيءُ العتمةَ الكبرى
كالسابقين إلى الخيراتِ مُستَبِقِ
أندى الأكفَّ وأغلى الباذلين يداً
أسناهُمُ خُلُقًا بسخائِهِ العَبِقِ
يأتي أُغسطس وصورُ فاقدةً ثاكلةً ، تهزّها صدمةُ الفقدِ .
لن تنسى صور رفرفةَ طرفِ مصّرك الصوريّ ، وأنت تطوي الأرضَ في شأنٍ عظيم ، لن تنسى ابتسامتَكَ الصافية وأنت بعزمك تمخُرُ عُبابَ الأحلام التي حوّلتَها إلى واقعٍ فذٍّ بعبقريتك التجارية الفارقة في كل البلدان والأزمان ، الوالد المرحوم الشيخ سعود بن سالم بهوان المخيني الجنيبي طيّبَ الله ثراه ، تعود الذكرى ذكرى الرحيل في أغسطس آب من كل عام ، لتكون وخزةً متجددة في سويداء المدينة ، ونبضةً مثقلة بالألم تعبرُ شرايينها ، وشرايين أهلها صغارًا وكبارًا ، فمن أين يبتديء الفقد ، وأين تنتهي الفاجعة ؟!
ولكنه الرضى بالقضاء والقدر ، ولكنها الذكرى الخالدة ، الذكرى المتربعة على عروش الزمان طيبة وفخارًا وسماحةً وعطاءً فذًا ،
لن ينساك طلبة المدارس في توفير الكثير من مستلزماتهم ؟!
بل هم
يذكرونك وأنت تقدم لهم ما يقدمه الآباء لأبنائهم ؟!
أم هل ينساك المرضى مرضى السكر خاصةً ، وهم ينعمون في راحة ورفاهية في تلك المراكز الطبية التي خصصتها لهم ؟! بل قلوبهم تلهج لك بالدعاء بجنة عرضها السموات والأرض ، وأن يظلّكَ اللهُ تحت ظلَّ عرشه آمنًا مطمئنًا إلى أبد الآبدين .
أم هل تنساك الدروب التي تقطعها قوافل الخير لتصل إلى المناطق والقرى النائية حاملة الخير من فاعل الخير ورجل الإحسان ، أم هل تنساكَ الأبواب التي تُطرَق لتقديم الكثير والكثير من المساعدات اللوجستية ! كافل الأيتام ومعين الأرامل ، وسند المعوزين .
لا ولن نستطيع إحصاء عطاءاتك التي لمسنا ورأينا ،
لن تنساك صور ، ولا دروبها ولا مدارسها ولا مراكزها الطبية ولا مآذنها ،
فاللهم أكرم نزله كما أكرم عبادك ، وجازه بالإحسان إحسانا إلى يوم يبعثون .
اللهم أنزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين .
وماتزال مؤسساتك الخيرية ساعية بالخير ، باذلة سبل الإحسان في كل مكان وزمان على أرض الوطن .
ولأنك كنت الأصل الثابت الطيّب ، جاءت الأغصان مثمرة عطاءً غدقا ، تؤتي أكلها كلَّ حين على من حولها ، ماتزال خطواتك ثابتة على دروب الخير إلى أن يشاء الله .
بارك الله في عَقِبِكَ ، بارك الله في من أكمل مسيرة الخير والعطاء ، ورزقهم خير الدارين . اللهم آمين .
*مقال ضمن عدة مقالات عن شخصيات صورية في اصدار سيحمل عنوان : “سوناتا إلى مدينة صور”
