عبير بنت سيف الشبلية
المجتمع المتآلف حصنٌ متين، وسدٌّ راسخ، بخلاف المجتمع المتنافر الذي انسلخت منه المودّة وتوارَت عنه الألفة. فانتشرت في أوصاله الضغائن والفرقة، وتغلغلت فيه العداوة والفشل، فتلاشت من بين يديه أسباب القوة والعزّة والارتقاء.
من العبث أن نرهن حياتنا لعزلة موهومة تحت ذريعة الطمأنينة وراحة البال. ففي لحظة غضب أو انكسار عاطفي يتظاهر البعض بجبروتٍ زائف، ويوثّق علاقاته بالقطيعة والانفصال، وكأن لا جدوى من بادرة وصل أو تحية عابرة.
الله وحده المدبّر، يدير الكون بميزان حكمة سرمدية، لا يدرك مغزاها إلا مَن خاطر بنفسه، وتشرّب شغف المغامرة، وخاض غمار الرزق في سباق يستنزف الروح والجسد. غير أنّ الرتابة تتسرّب يومًا بعد يوم، فيضيق الصدر، ويكتشف المرء أنه أُسقِط في شِراك الضعف والانهزام، رغم لحظات متعة عابرة. وهنا تُرسم المسارات: إمّا مجابهة وصمود، أو قيد دائم للانكسار والوجل.
الفطرة الإنسانية جذر ثابت لا يتزعزع. والسعي واجب، لكن بفرادةٍ واعتداد، وبذل غزير يرقى بالمرء في مدارج الحياة. ليحيَ بجوارحه، ويسعى لأهدافه وآماله المرسومة سلفًا، بلا خوف أو تردّد، حتى يذوق لذّة استبطان تفاصيل السعادة ورهافة الراحة.
وأخطر ما يُقدم عليه الإنسان في لحظة تمزّق عاطفي متأرجح بين الغلبة والانكسار، أن يستسلم لوهم الاكتفاء بذاته، ويقصي عن نفسه جسور الوصال. فالمحبة، والانتماء، والأمان، والمشاركة، ومضاء الإبداع؛ حاجات أصيلة لا فكاك منها.
وماذا لو خسرت معركة علاقات، أو أفلت من بين يديك مشروع يدرّ المال؟ إن الحياة أشبه بساحة قتال ممتدة، لا يظفر فيها مَن آثر التفرّج. الناجح الحق هو مَن ينازل ذاته أولًا، ويُجالد الصعاب بتجلّد. فالنجاح ليس ثراءً محضًا، والهزيمة ليست منتهى الطريق. ما زالت هناك معارك وأزمات وتقلبات قد تُكسبك الكثير، شرط أن تكون حاضرًا في الميدان، متأهبًا، مُتعلّمًا، مُستعدًّا دائمًا للصدّ والمجابهة.
