د. بدر بن أحمد البلوشي
في زمن غلبت فيه الضوضاء على السكينة، صارت بعض المساحات الواتسابية حقولا من هذر متتابع، لا تنبت إلا صدى أجوف يترنح بين جدران مهترئة.. أحاديث تتقاذفها الألسنة كزبد لا يمكث في الأرض، فيخيل للمتابع أنه أمام سوق صاخب يبيع الوهم في أثواب براقة.
الكلمة – حين تفقد روحها – تتحول إلى طيف بلا ظل، وإلى نغمة مكررة لا توقظ عقلا ولا تحرك وجدانا.. ذلك ما نراه في كثير من النقاشات التي لا تتجاوز دائرة الاستعراض الذاتي، أو الانغماس في أنانية مقيتة لا تُثمر وعيا ولا تُنجب حلولا.
ولأن النفوس تميل إلى الوجاهة ولو كانت زائفة، يتسابق البعض لاقتناص وهج عابر في محفل إلكتروني، يرفعون عقيرتهم بحديث أجوف، يختبئ خلفه نفاق مزمن يتغذى على تصفيق متبادل ومجاملات خاوية.
لكن جوهر المشكلة لا يقف عند هذا الحد، بل يتعداه إلى إضعاف قيمة الحوار نفسه؛ فحين يعتاد الناس على النقاش العقيم، يظنون أن الضجيج بديل عن الرؤية، وأن التكرار مرادف للحجة، وأن عدد الكلمات يعوض عن فقر المعنى.
هنا تنشأ أزمة الفكر العقيم، حين ينحسر النقاش عن جوهر القضايا، وينشغل الناس بظلالها.. يهاجم بعضهم بعضا، ويطعنون في النوايا، ثم ينفض الجمع دون أن تُسجل خطوة واحدة نحو الحل.
أما الحوار الحقيقي، فهو قبس يضيء العقول لا صدى يتردد بينها.. هو بناء لا هدم، وهو فكر يتجاوز الحناجر ليغرس بذورا في التربة، تثمر رؤية أو تُلهم فعلا. الحوار الحقيقي يقتات على الصدق، ويستند إلى المعرفة، ويستمد قوته من الرغبة في الإصلاح لا من لذة الجدال.
من أراد أن يقيس نُضج أي مجتمع، فلينظر إلى أدبه في الحوار.. هل ينصت بقدر ما يتكلم؟ هل يحترم الفكرة ولو جاءت من خصم؟ هل يقيم الحجة بالحجة لا بالصوت الأعلى؟ هناك تكمن المفاضلة، وهناك ينهض الوعي الجمعي أو يسقط في مهاوي العبث.
ولكي نستعيد المعنى الضائع، لا بد من إعادة الاعتبار للكلمة الصادقة.. علينا أن نربي أبناءنا على أن الحروف أمانة، وأن الرأي مسؤولية، وأن المشاركة في النقاش ليست للتباهي، بل لطرح ما ينفع ويُصلح.
الحوار ليس ميدانا للمبارزة الكلامية، بل هو حقل للبحث المشترك عن الحقيقة.. وما لم ندرك ذلك، ستظل مجالسنا الإلكترونية تدور في دوائر مفرغة، يتغذى بعضها على بعض، دون أن تبرح مكانها.
إن الحل لا يكمن في إغلاق تلك المساحات أو الصمت عنها، بل في بث ثقافة جديدة ترفع منسوب الوعي.. ثقافة تقدس الإصغاء، وتشجع على النقد الراشد، وتُقصي المجاملة المفرطة، وتضع الفكرة قبل صاحبها.
عندها فقط تتحول نقاشاتنا من “صدى في فراغ” إلى منابر للفكر الراجح.. تصبح الكلمات جسورا لا متاريس، وتغدو ساحات الواتساب ميادين للإلهام لا أقبية للجدل العقيم.
وهكذا ندرك أن أعظم ما يمكن أن نقدمه لأنفسنا ولأوطاننا هو أن نصون معنى الحوار، ونرفع الكلمة من حضيض الاستهلاك إلى علياء البناء، فتظل شاهدة على أننا أمة تُحسن الحديث لأنها تُحسن التفكير.
