عصماء بنت محمد الكحالية
في دواخل النفوس تختبئ أسرار لا يراها إلا الرفقاء الذين نختارهم بقلوبنا، ولكن الغدر أحيانًا يتخذ من وجوه الأصدقاء تمويهًا، فيجعل من المحبة أقنعة باردة والوفاء سرابًا متلاشياً. كم مرة كُبِتنا بوجهٍ ظاهريّ ناصع، ثم إذا بنا نكتشف أن وراءه أوجه أخرى قاتمة، تكسوها الخيانة وتزهو بها الغيبة والنميمة، لتضعف مواقفنا وتقضي على ما بنيناه من ثقة وأمان؟
هؤلاء الذين يدّعون الثقافة ويرفعون لواءها، لا هم لهم إلا التشويش على الحقيقة، وتزييف وجه النبل بأقنعة الكذب والنفاق. فالثقافة ليست كلمات تتردّد بلا وزن، ولا شعارات ترفع على منابر الرياء، بل هي جوهر صادق ينبع من عمق الفهم، وروح تزرع بذور الخير والحكمة في كل محفل. ومن يدّعيها وهو يغتال الأصدقاء ويغتال الثقة، ما هو إلا مرتعٍ للمدعين، لا ينتمي إلى قلاع العلم والأخلاق التي تظلّ شامخة في وجه الرياح العاتية.
وأيضًا، ليس كل من يشاركك نفس الميدان، أو يمشي على ذات الدرب، خصمًا عليك، ولا كل من يتشابه معك في الحقل يسعى لهدم حصنك. بل هناك من الرفقاء من يرفعون راية التضامن، ويتشاركون معك في بناء الغد، وليس هدم الحاضر. فلنتذكر دومًا أن العدو الحقيقي ليس في محيطنا المباشر، وإنما في اليأس الذي يزرع في النفوس، وفي قلوبٍ تأنّ من غياب النبل والصدق.
وما الأعمال إلا بُنيانٌ متينٌ يُقام على أساس الصدق والنزاهة، لا على رمال الخداع والتدليس. فمن يشوه سمعة غيره ليصعد إلى قمة زائفة، قد ظن أنه ينتصر، لكنه في الحقيقة يسقط في هاوية ذاته، ويخسر ما لا يُقدر بثمن: كرامته وشفافيته.
لا ينبغي لنا أن نغفل عن حقيقة أن السمعة هي الحصن الذي يحميه الإنسان بنفسه، وأي هجوم عليها من خلف الظهور هو خيانة مزدوجة، وخسارة لا تعوض. لذا، يجب أن نرفع راية الحذر ونغرس جذور الوعي في صدورنا، لكي لا نسمح لتلك الأوجه المزدوجة أن تسرق منا مجهودنا، أو تُحبط عزائمنا، أو تُفسد ما كنا نبنيه بأيدينا.
فلنحترم ذواتنا أولاً، ونصون علاقاتنا على قاعدة الصدق، فالنجاح الحقيقي لا يُبنى إلا على هذا الأساس، وبغير ذلك، تظل الإنجازات سرابًا عابرًا لا يستقر في ذاكرة الزمن.
وفي نهاية المطاف، تظل النفوس كالمرآة، تعكس ما فيها من صدق أو من غدرٍ لا يُحتَرى… فهل نُضيء دروبنا بنور الوفاء والوفاق، أم نركن إلى ظلال الوجوه، ونغرق في المكر والافتراق؟
