حفصة بنت محمد الجهورية
في زمانٍ مضى نشتاق إليه، كانت مخيّلاتنا لا تسعفنا أبدًا لخلق قصص عن عقوق الوالدين، ولم تكن نفوسنا تتقبّلها كواقعٍ قد يكون حقيقيًا في يوم من الأيام. فمثل هذا العقوق لم يكن موجودًا، ومثل تلك القصص لم تولد مع الإنسان العماني المسلم، لكنّ الوجع الكبير اليوم، أنّنا لم نعد بحاجة لاجترار مخيّلتنا لخلق القصص، فالواقع أصبح أوجع من كل خيال.
إنّ ظاهرة العقوق بدأت تطفو على السطح في كثير من البيوت. فبعد أن كنّا نبحث عن قصص للوعظ لا نجدها إلا نادرةً في الكتب، أصبحنا اليوم نراها واقعًا مؤلمًا ومتنوعًا، نرى فيه أشكالًا مختلفة من العقوق تُمارس على الوالدين أو على أحدهما: هجرٌ للوالدين، وتهميش للرأي، وكسر للخواطر، وقطيعة دائمة، وقسوة… لقد تغيّرت قلوب البشر وتحجّرت.
أصبحنا نسمع قصصًا عن ترك الوالدين في المستشفى، والتحايل عليهم دون عودة، أبٌ أو أم تنادي بأسماء أبنائها، وتسأل ليل نهار: “متى سيأتون لأخذي إلى البيت؟ أنا لا أريد أن أموت في المستشفى، أريد أن أموت في بيتي .ونسمع عن آخرين يضعون والديهم في دور رعاية كبار السن، ليعيشوا ما تبقى من حياتهم بألم الهجر من أبناءٍ جحدوا الجميل.
وهناك من يضعهم في ملحق صغير لا يليق بما قدّموه لهم منذ الصغر، بحجة الحفاظ على خصوصية زوجته وأبنائه، وحتى لا يتضايق أحد منهم. فتُقدَّم الخدمة لهم بالقطارة، وتمرّ الأيام دون أن يدخل الابن لرؤيتهم بحجة الانشغال.
وهناك من يضع والده أو والدته في غرفة داخل المنزل فقط حتى لا يقال عنه عاق، بينما يتركهم ينادون بصوتٍ مبحوح للحصول على شربة ماء أو لقمة تسندهم، فيُقابلون بالتأفّف أو الضيق، وأحيانًا بتجاهل نداءاتهم تمامًا.
وهناك من يرجون أبناءهم أن يُعطوهم الدواء في وقته، ويسمعون من الكلمات ما يقطع القلب، ويجعلهم يعيشون في قهر حتى وفاتهم، أو حتى الدعاء على أبنائهم. ومن تلك العبارات: “أنا مليت… أنا تعبت… متى أرتاح؟”
فإلى أين تريدون أن تصلوا؟
لماذا تحجّرت القلوب؟ وأين اختفى الحنان تجاه كبار السن؟ لماذا أصبح البعض ينتظر وفاة والديه ليأخذ نصيبه من الميراث ويتخلّص من عبء العناية بهما؟
هم سبب وجودنا في هذه الحياة، وهم من اعتنوا بنا، وأطعمونا، وأعطونا الأمان والحنان، وكانوا قوتنا في ضعفنا. فكيف ننسى؟
يخطر في بالي تساؤل: لماذا ظهرت مثل هذه النفوس العاقّة في مجتمعنا؟ هل أخطأ الآباء في تربية أبنائهم حتى خُلق لنا جيل لا يعرف البرّ؟ أم أنّ السبب هو قلّة الوازع الديني؟ أم هي ضغوطات الحياة التي لم ترحم كبار السن قبل غيرهم؟
البرّ لم ينعدم بعد، ولكن الكثيرين علّقوه على حبال المشانق، لذلك لابد لنا من وقفة، ويجب أن يُقرع ناقوس الخطر.
فبعضهم يمنّون على والديهم بالرعاية، وآخرون يقدّمونها رياءً ليتفاخروا أمام الناس، ولكنها رعاية بلا مشاعر.
كبار السن لا يريدون أكثر من أن يشعروا بوجودنا حولهم، وأن نُشعرهم بأهميتهم في حياتنا.
قبلة برّ على جبينهم، وكلمة حنونة، ودعوة صادقة بأن يطيل الله أعمارهم لنا. هم لا يريدون اهتمامًا زائفًا، لا سائقًا يأخذهم إلى المستشفى، ولا عاملةً تدفعهم على الكرسي المتحرّك، بل يريدون حياةً نرسمها لهم بصدقِ الاهتمام، كما رسموا لنا حياتنا منذ صغرنا.
كلمة أخيرة:
إذا لم تقف مع والديك في ضعفهم وحاجتهم إليك، فمتى ستقف معهم؟ هل ستقف حين يُلقى التراب على أجسادهم؟ إذا لم تبرّ بهم، فهل تضمن أن يبرّ بك أبناؤك؟
تفكّر…
