كمال بن حسن اللواتي
طالعتُ في جريدة عُمان بتاريخ 20 يوليو الجاري، في زاوية “رأي عُمان”، مقالًا بعنوان: “العرب.. والحاجة إلى لحظة وعي”.
يدعو المقال إلى الوقوف مع سوريا في أزمتها الحالية، خاصة بعد تعرضها لسلسلة من الضربات الإسرائيلية، على خلفية أحداث “السويداء”.
لقد شهد تاريخنا المعاصر احتلال الصهاينة لفلسطين ولبنان، وضُرب المفاعل النووي العراقي عام 1981م أثناء الحرب العراقية الإيرانية من قِبل دولة الفصل العنصري، كما اغتيلت شخصيات فلسطينية في لبنان، وتعرضت كلٌّ من إيران واليمن والعراق لاعتداءات متكررة، في ظل هيمنة صهيونية تراكمية لم يتصدَّ لها أحد.
بل إن ما شجع الصهاينة وجرّأهم أكثر، هو أن معظم العالم العربي واقع في جيب أمريكا، وغالبية دوله تتسابق نحو التطبيع.
الدول التي يُفترض بها أن تساعد سوريا، أو على الأقل بعضها، غارقة في المحور الأمريكي، وهي على استعداد دائم لتنفيذ أجندته.
أما بعض الأطراف التي تعلن حرصها على مساعدة سوريا في بناء عقد اجتماعي غير طائفي، والخروج من أزمتها، فقد تكون بحاجة هي الأخرى إلى مراجعة لخطاباتها وممارساتها، لضمان أن تنسجم دعواتها مع واقعها، وتكسب بذلك مزيدًا من المصداقية والتأثير.
وسوريا نفسها تحتاج إلى إعادة نظر وغربلة؛ فمن يحكمها اليوم، تاريخه لا يسمح بأن يُمنح ثقة مطلقة لإخراج البلد إلى بر الأمان.
العرب اليوم في أضعف حالاتهم، لأنهم ساروا ومشوا خبط عشواء، بلا تخطيط ولا استشراف للمستقبل، وسلّموا 99% من أوراقهم لأمريكا، كما وصف ذلك الرئيس أنور السادات.
والوضع حاليًا لا يسمح بأي عمل حقيقي؛ فقد بلغت الفوضى واختلاط الأوراق حدًّا لا يوصف. ولا أظن أن شيئًا كبيرًا سيحدث قبل أن تكتمل سنن التاريخ، ويحين موعد استبدال أمم وحكومات، كما يقول تعالى: “إلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”.
كنتُ أتمنى أن يُؤخذ برأي “عُمان” الداعي إلى مساندة ودعم لبنان واليمن والسودان، بل وحتى إيران، لأننا جميعًا في سفينة واحدة. وما جرى بعد اتفاقيات كامب ديفيد ووادي عربة، والحرب العراقية الإيرانية، والحرب في اليمن، كلّها شواهد على مدى الترابط بين القضايا والدول.
وهو ما يُؤكده الحديث الشريف: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”.
وإذا افترضنا – جدلًا – أن العالم العربي لا يستطيع أن يفعل شيئًا، مع أنني على يقين بأن بيده الكثير، فليس أقل من أن يمارس أضعف الإيمان، فيواسي هذه الشعوب المقهورة، ويوقف المهرجانات الغنائية والاحتفالات الصاخبة، بل ويتخذ خطوة إيجابية إلى الأمام، بتنظيم مهرجانات غنائية حماسية، ومسرحيات، وأنشطة ثقافية مرتبطة بقضية غزة، وعلى مدار السنة، لتنمية الوعي، وتنشيط الذاكرة العربية، وإبقاء القضية حيّة.
ينبغي أن يشعر المواطن العربي، والإنسان الشرقي والغربي عمومًا، بأن هناك مشكلة حقيقية، ومعاناة واقعية، ومأساة كبيرة، وجريمة شنيعة.
فمهمة هذه الحكومات – إن كانت عاجزة عن “فعل” حقيقي – ألا تكون شريكة في جنازة الوعي لدى الشعوب.
إن لحظة الوعي تبدأ عندما يدرك كل فرد ومؤسسة قدرتهم على المساهمة في قضية غزة، من خلال استثمار الأوراق المتاحة، وهي كثيرة، لكنها بحاجة إلى إرادة وقرار.
وقد تطرق المقال سابقًا إلى دور المؤسسات العامة، أما على المستوى الفردي، فذلك يكون عبر التقليل من السفرات الترفيهية، وحتى الدينية، والاقتصاد في حفلات الزواج، وكثير من المصاريف غير الضرورية، وتخصيص تلك الأموال لدعم غزة ولبنان واليمن.
وأخيرًا، من الواضح أن مؤسساتنا الرسمية الجامعة، في العالم العربي والإسلامي، مثل الجامعة العربية، ومجلس التعاون الخليجي، ومنظمة التعاون الإسلامي، لم تنجح، بسبب خللٍ واضح في ذهنية كثير من الزعماء، وارتباطاتهم بالمصالح الذاتية، وتحالفاتهم مع أميركا والغرب.
ولا مناص من إجراء تغييرات جذرية وبنيوية، وإلا فالمثل العربي سيبقى حاضرًا أمامنا:
“فاقد الشيء لا يعطيه”.
