فايزه محمد
قبل عدّة أسابيع، حبس العالم -وخاصة دول الخليج- أنفاسه إثر التصعيد العسكري المفاجئ بين الهند وباكستان “الدولتين النوويتين”، ولله الحمد، فقد وافقت الدولتان بعد أيام قليلة على وقف التصعيد إذ تدركان جيدًا عواقب أي مواجهة، ليس عليهما فقط بل على العالم أجمع.
ورصدنا جميعا التفاعل الخليجي بشكل عام والعماني بشكل خاص مع هذه الأزمة، الأمر الذي يشير إلى مدى القرب الجغرافي والمشتركات الثقافية مع باكستان، وهو ما يستدعي الدعوة إلى إحياء وتعزيز التواصل الحضاري العريق بين كل من سلطنة عمان وجمهورية باكستان الإسلامية،
فجمهورية باكستان الإسلامية لا تبعد عن سلطنة عُمان سوى ساعة تقريبًا بالطائرة، والعلاقات التاريخية بين البلدين راسخة وهناك علاقات اجتماعية وروابط أسرية مع العديد من العائلات العُمانية.
ورغم هذا القرب الجغرافي والتاريخي، فإن العلاقات الثقافية بين البلدين لا ترقى إلى مستوى ما كان بينهما من تواصل حضاري، وكذلك الشأن في الجوانب الفنية والرياضية وغيرها، وهذا الأمر لا يقتصر على باكستان فحسب، بل ينطبق أيضًا على دول إسلامية كبرى أثرت الثقافة الإسلامية لقرون طويلة، ولا تزال، مثل إيران وتركيا، فمعظم معرفتنا بتركيا مثلًا تأتي عبر مسلسلاتها رغم ما في بعضها من خيال تاريخي، كما أن معرفتنا بإيران غالبًا ما تنحصر في الرحلات الطبية إلى شيراز أو السياحية إلى شمال الدولة.
ويشكل التواصل الحضاري بين سلطنة عمان وباكستان نموذجًا للتعايش والتكامل بين الشعوب، ويعكس عمق العلاقات التي تأسست على مدار قرون من الاحترام والتعاون، وفي ظل التغيرات العالمية، تبرز أهمية تعزيز هذا التواصل بوصفه ركيزة للتفاهم الإقليمي وتحقيق المصالح المشتركة بين البلدين.
ويعود هذا التواصل الحضاري إلى قرون بعيدة، وقد اتسم هذا التواصل بالتبادل التجاري والثقافي والاجتماعي، مستندًا إلى الموقع الجغرافي الاستراتيجي لكل من البلدين، حيث تطل سلطنة عمان على بحر العرب والمحيط الهندي، بينما تقع باكستان في موقع محوري يربط جنوب آسيا بالشرق الأوسط.
وشهدت العصور القديمة تفاعلاً متنامياً بين السواحل العمانية وموانئ السند وبلوشستان، خاصة عبر ميناء جوادر، الذي كان تحت السيادة العمانية لأكثر من 150 عامًا حتى عام 1958، حيث أسهم هذا الارتباط المباشر في خلق تداخل سكاني وثقافي ما زالت آثاره حاضرة حتى اليوم في التقاليد والعادات المشتركة بين المجتمعات الساحلية في البلدين.
كما كان التجار العمانيون من أوائل من أبحروا إلى السواحل الباكستانية، حاملين معهم البضائع كالتمور والبخور والنحاس، مقابل منتجات كالأرز والتوابل والمنسوجات. وقد ساهم هذا التبادل في نشوء علاقات اقتصادية متينة، مدعومة بروح من الثقة والاحترام المتبادل.
وإذا عدنا إلى الثقافة الأردية، فإنها تحمل تاريخًا طويلًا وعميقًا في مجالات الشعر، والأدب، والتصوف. ومن منّا لا يعرف المفكر والشاعر الكبير محمد إقبال، الذي ألهم المسلمين ودعا إلى وحدتهم ويقظتهم؟! وعلى الصعيد الصوفي، برزت أسماء لامعة مثل واصف علي واصف، أحد أبرز المفكرين الصوفيين في باكستان في القرن العشرين، توفي عام 1993 في لاهور، العاصمة الثقافية لباكستان، وكان شاعرًا وكاتبًا وخطيبًا يتمتع بجاذبية روحية وفكرية فريدة. وقد اشتهر بأسلوبه الموجز والعميق في التعبير عن الحكمة الصوفية، لكن للأسف، لم تُترجم كتبه إلى اللغة العربية، على عكس أعمال محمد إقبال والمفكر فضل الرحمن.
وبالمثل، فإن الإسهام الثقافي العماني في حضارة البشرية موجود ومؤثر من خلال العديد من العلماء في شتى المجالات، بل إن العمانيين يعتبرون من مؤسسي علوم اللغة العربية من خلال أبو الأسود الدؤلي والخليل بن أحمد الفراهيدي وغيرهم من العلماء، وما وضعه العلماء العمانيون من قواعد في النحو والعروض كانت منطلقا لإنتاج ثقافي عربي ثري.
وهذا الثراء الذي تمتلكه الثقافتان يدعو إلى التعمق أكثر للتعرف على الثقافة الباكستانية عن قرب، في مجالات الأدب والشعر والرواية والقصة القصيرة، وغير ذلك من المجالات، وكذلك تعريف الأمة الباكستانية بثقافتنا العربية، فلا يمكن أن تتفاهم شعوب دولتين تجمعهما روابط التاريخ والدين والثقافة، دون الانفتاح على الثقافات والآداب والعادات والتقاليد.
كما أتمنى من المؤسسات الثقافية في سلطنة عُمان أن تبادر إلى احتضان فعاليات ثقافية مشتركة مع باكستان، سواء في مسقط أو مدن باكستانية كبرى، لتعميق أواصر التواصل الثقافي بين الشعبين الصديقين.
