د. بدر بن أحمد البلوشي
في زمن كثرت فيه الأصوات وقل فيه الإنصات، يغدو الاقتراب من الناس مسؤولية شاقة، لا يقدر عليها إلا من كان صادق النية، قوي العزيمة، واسع الصدر.. فليس من السهل أن تفتح قلبك قبل مكتبك، وأن تسمع الشكوى قبل أن تفرض الصمت، وأن تمد يدك في فضاء يعج بالشك والريبة. وقد فعل ذلك مسؤول لم يكن يبحث عن مجد، بل عن معنى.. لكنه اكتشف متأخرا أن النوايا الطيبة لا تكفي في دروب ضاعت فيها الثقة.
كم من مسؤول قرر أن يغير الصورة النمطية، أن يهدم جدران الصمت، أن يترك كرسيه ليقف وسط الناس لا فوقهم، أن يقرأ تغريدة ويعتبرها نداء، لا سخرية. لكنه وجد أن الصدق أحيانا لا يكافأ، وأن الكلمة الطيبة قد تُقابل بالقسوة.. وتعلم – مرغما – أن بعض القلوب لا ترى في النور إلا وهما، فانسحب وفي قلبه غصة: ألم يكن يستحق محاولة أرحم؟
يظن البعض أن من يتواصل مع الناس، يخشى شيئا، أو يسعى لبناء مجد شخصي.. ولا يدركون أن المسؤول، حين يقرر أن يصغي، فإنما يخوض معركة داخلية بين ما يريد فعله وما يمكنه فعله، بين المأمول والممكن، بين صوت الحق وصدى الإمكانات.. وقد خاض تلك المعركة بشجاعة، لكنه تلقى الطعنات من حيث ظن أن الصدق سيحميه.. فكان الدرس قاسيا لكنه واضح.. لا تكثر من التواجد، فتستهلك حتى تذبل.
إننا بحاجة لأن نتأمل قليلا.. هل نريد من المسؤول أن يكون بعيدا، غائبا، لا يرى إلا في نشرة الأخبار؟ أم نريده قريبا، متفاعلا، يبذل جهده ولو في حدود الممكن؟ وإن أخطأ، فهل نعينه على الصواب أم نصيبه بالخذلان؟ ذلك المسؤول اختار القرب من الناس بقلبه قبل وقته، لكن بعضهم رآه غنيمة للنيل والسخرية، فاختار أن يحفظ كرامته وينسحب بصمت، بعد أن خذله من ظن بهم خيرا.
المؤلم أن البعض لا يفرق بين المخلص والمتملق، بين من يخدمه بحب، ومن يخدعه بكلام.. ومن يتجرأ على الطيبين، يزرع الصمت في النفوس الصادقة.. وقد تعلم المسؤول أن البعض لا يريد حلا، بل خصومة، لا يريد استجابة، بل صيدا في الماء العكر.. فكان الرحيل أرحم له من الانكسار المستمر، وكان الصمت دربا لراحة البال.
القرب من الناس مسؤولية، لكنه في هذا الزمن صار مخاطرة.. لا لأن الناس سيئون، بل لأن بعض الأصوات العالية تطغى على النوايا الطيبة، وتجعل من كل محاولة إنسانية مادة للتشكيك والتأويل.. ومن يعتاد الطعن، لا يرى في النقاء إلا غبنا، وفي العطاء إلا مصلحة.. وقد قيل له كثيرا.. لا تكثر من الظهور، فالطيبة في هذا الزمن تستغل، وقد صدقوا.. للأسف.
إننا بحاجة إلى بيئة حاضنة لكل مسؤول يحاول أن يكون إنسانا قبل أن يكون منصبا. بحاجة إلى رأي عام يفرق بين النقد والتجريح، بين المحاسبة والتصيد، بين الصوت الذي يطالب، والصوت الذي يحبط. فالمسؤول ليس خصما، بل شريكا، وإن أخطأ فقوموه، لا تحرقوه.. فقد يتراجع اليوم مسؤول، ويتردد غدا عشرة مثله، لأنهم رأوا كيف يجزى الخير بالخذلان.
ربما يبتعد البعض اليوم، بعد أن بذل ما يستطيع، وخاب ظنه في من راهن على وعيهم. لكنه – في داخله – لا يندم على فعله الخير، بل على من قتلوه فيه. فقد اكتشف أن أصعب وجع ليس في التعب، بل في نكران الجميل، في أن تمتد يدك بالخير، فيصفق لها من خلف الشاشة سخرية وتهكما. فكان درسه الأخير.. لا توزع قلبك على العابرين.
وحين نرى من كان شعلة حضور يختار العزلة، ومن كان صوت الناس يفضل الصمت، فعلينا أن نراجع أنفسنا لا سواه.. فبعض السهام لم تكن لتصيب لولا أننا صفقنا للرماة، وبعض القلوب لم تنغلق لولا أننا تركناها وحدها تنزف. فلنعد للمسؤول البسيط بعض الدفء، حتى لا نخسر ما تبقى من جسور الخير.
القرب لا يجب أن يقابل بالندم، بل بالشكر والتقدير، لأنه ببساطة.. لا يجيده كل أحد.. والمسؤول الذي يختار الناس على نفسه، يستحق الاحترام لا التجريح.. فإن كان قد انسحب اليوم، فليكن انسحابه جرس إنذار.. أن السيئون، إن لم يردعوا، سيقطعون ما بقي من الخير بين الناس.
