د. سالم الوهيبي
كيف صُنع الإحباط؟
ليس الشعور بالعجز في المجتمعات الإسلامية وليد اللحظة. بل هو نتاج تاريخ طويل من التفكيك والتهميش والإذلال الممنهج، بدأت خيوطه في الحقبة الاستعمارية، وتواصلت بأدوات مختلفة في عهد “الدولة الوطنية”، التي نشأت بعد الاستقلال. في هذا المقال، نفتح الصندوق الأسود للعوامل التي ساهمت في ترسيخ العجز كعقيدة غير معلنة في وعي المجتمعات.
■ أولاً: تركة الاستعمار… من “فرّق تسُد” إلى نهب العقول
عندما دخل الاستعمار الغربي أراضي المسلمين في القرنين الـ 19 والـ 20، لم يكن هدفه فقط احتلال الأرض، بل تحطيم البنية المعنوية للمجتمعات. ومن أبرز آثاره:
1- سياسة “فرّق تسد”:
تعميق الانقسامات العرقية والطائفية (كما في السودان، العراق، الجزائر)، لإضعاف وحدة المجتمع وإشغال الناس بأنفسهم.
2- نهب الموارد وتدمير الاقتصاد المحلي:
تحويل البلاد إلى مصدر للمواد الخام فقط (قطن، ذهب، بترول)، دون بناء قاعدة إنتاجية حقيقية.
3- إعادة تشكيل الوعي بالتاريخ:
تشويه التاريخ الإسلامي، واختزال الحضارة الإسلامية في صورة التخلف والظلام، مقابل تمجيد “الحداثة الغربية”.
4- ضرب التعليم الوطني:
تهميش التعليم الديني، وفرض مناهج تربوية تنتج “مستهلكين” لا “مبادرين”.
وكانت نتيجة هذه السياسة مجتمع منهك، فاقد للثقة بذاته، يُدار من خارجه، ومحروم من الموارد والخبرة.
■ ثانيًا: الأنظمة الوطنية
بعد الاستقلال، كانت الشعوب تتوق للحرية والتنمية. لكن في كثير من الدول، جاءت الحكومات الجديدة بـ:
- استبداد مركزي قمعي:
إلغاء الحريات، تهميش المجتمع المدني، وتحويل الدولة إلى “حزب واحد” و”زعيم واحد”. - تزييف الوعي والخطاب:
عبر الإعلام الموجه، والتعليم المسيّس، صار المواطن متلقيًا غير ناقد، مجرد تابع لا فاعل. - الفساد وتبديد الثروات:
تمركز الثروة في يد النخبة، وتحويل الموارد إلى مشاريع فاشلة أو جيوب شخصية. - إفشال محاولات الإصلاح الحقيقي:
سواء من قبل تيارات دينية أو مدنية، إذ وُوجهت بالقمع أو الاحتواء أو التشويه.
■ ثالثًا: الهزائم الكبرى
لم تكن نكبة فلسطين عام 1948 مجرد خسارة أرض، بل انكسار نفسي جماعي. تبعتها نكسة 1967 التي أطاحت بثقة الشعوب بالجيوش والحكومات. ثم جاءت الحرب الأهلية اللبنانية، والغزو السوفيتي لأفغانستان، واحتلال العراق 2003، لتعزز قناعة عميقة بأن “العرب والمسلمين لا يستطيعون الانتصار”. هذه الهزائم لا تزال حاضرة في وجدان الشعوب، وتُستدعى لاشعوريًا كلما طُرح مشروع إصلاحي جديد.
■ رابعًا: فشل المشاريع الكبرى
• القومية العربية: رفعت شعار “الوحدة والكرامة”، لكنها انتهت بانقلابات وديكتاتوريات.
• الاشتراكية: وعدت بالعدالة، وورّثت العسكر والفقر.
• الليبرالية الاقتصادية: جاءت مع “وصفات” صندوق النقد، فزاد الفقر وتبخرت السيادة.
تكرار الفشل جعل الناس يفقدون الثقة في أي “وعد كبير”، وأصبح الخلاص فرديًا أو أخرويًا فقط.
■ الخاتمة:
إن العجز الجمعي لم يهبط من السماء، بل تم صناعته عبر قرنٍ كامل من التغريب، والتهميش، والاستبداد، والهزائم، وخيانة الوعود.
إذ فكيف يُطلب من مجتمع أُنهك بهذا الشكل أن ينهض إلا بأن يُعاد له وعيه، وتُستعاد ثقته بذاته، ويُعاد الاعتبار لقيم الحرية، والمسؤولية، والعمل.
في المقال القادم إن شاء الله، سننتقل إلى المحور الثاني من معضلة الثروة المهدرة والذي سيسبر غور ” انحراف فهمنا للدين عن جوهره الإعماري والمسؤول”.
