محمد جواد أرويلي/ كاتب وصحفي إيراني
منذ توقيع الاتفاق النووي عام 2015، التزمت الجمهورية الإسلامية الإيرانية ببنوده بشهادة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بينما واجهت آليات التنفيذ تعثرًا واضحًا من جانب الأطراف الأخرى، خاصة الولايات المتحدة التي انسحبت منه عام 2018، والترويكا الأوروبية التي لم تتمكن من الوفاء بتعهداتها الاقتصادية والسياسية.
اليوم، تعود بريطانيا وفرنسا وألمانيا للمطالبة بتفعيل “آلية الزناد”، وهي آلية قانونية ضمن الاتفاق تُستخدم في حال خرق أحد الأطراف التزاماته. لكن السؤال الجوهري هو: هل بقي الاتفاق قائمًا فعليًا بعد هذه الانسحابات والتراجعات؟ وهل من الممكن تفعيل جزء منه بمعزل عن السياق الكامل الذي تأسس عليه؟
واقع الحال يشير إلى أن الاتفاق النووي، بشكله الأصلي، لم يعد موجودًا لا من حيث الالتزام العملي ولا من حيث التوازن السياسي بين الأطراف. كما أن التطورات الأخيرة، بما فيها الهجمات على منشآت نووية إيرانية، تطرح تساؤلات حول مدى فاعلية الاتفاق في توفير الحد الأدنى من الضمانات.
من هنا، فإن أي خطوة لتفعيل آلية الزناد يجب أن تُقرأ في سياق أوسع، يأخذ في الحسبان التعقيدات الحالية، وانعدام التوازن في التنفيذ، وانسحاب أطراف أساسية منه. التعامل الانتقائي مع الاتفاق قد يُضعف ما تبقى من أدواته، ويزيد من صعوبة العودة إلى مسار تفاوضي مستقر.
رغم انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني عام 2018، وتحويله فعليًا إلى اتفاق فارغ المحتوى، تصرّ الترويكا الأوروبية (بريطانيا، فرنسا، وألمانيا) اليوم على تفعيل “آلية الزناد” لإعادة العقوبات الأممية على إيران، وكأن الاتفاق ما زال قائمًا ومتوازنًا، بينما الحقيقة أن هذه الدول لم تلتزم أصلًا بأي من تعهداتها الواردة في الاتفاق، لا اقتصاديًا ولا سياسيًا.
الاتفاق النووي (JCPOA) وُقّع في يوليو 2015، ودخل حيز التنفيذ مطلع 2016. وقد نصّ على رفع العقوبات المفروضة على إيران مقابل التزامها بخفض أنشطتها النووية. لكن التقارير المتكررة للوكالة الدولية للطاقة الذرية (أكثر من 15 تقريرًا حتى 2019) أكدت التزام إيران الكامل ببنود الاتفاق. في المقابل، لم تُنفذ الترويكا الأوروبية آليات التبادل التجاري (INSTEX) بشكل فعلي، ولم تُحدث أي كسر حقيقي للحصار الاقتصادي بعد انسحاب واشنطن.
إيران، حتى ما بعد انسحاب أمريكا، منحت فرصًا متكررة للدبلوماسية الأوروبية، واستمرت في التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ما يعكس حسن النية واستراتيجية ضبط النفس.
لكن الآن، بعد مرور أكثر من 9 سنوات على توقيع الاتفاق، لم يتبقَّ منه شيء:
-زمنيًا: بعض بنوده كانت محددة بـ10 سنوات وستنتهي في أكتوبر 2025.
-عمليًا: واشنطن نسفته من جانب واحد، وأوروبا شلّت كل آلياته.
سياسيًا: لم يعد الاتفاق يُستخدم إلا كأداة ضغط سياسي من طرف واحد.
والأخطر، أن الهجمات المتكررة على المنشآت النووية الإيرانية، والتي وقعت في نطنز وفوردو، أظهرت بوضوح أن عضوية إيران في معاهدة حظر الانتشار النووي (NPT)، والتزامها الصارم بالاتفاق، لم تمنع عنها الاعتداءات العسكرية ولا التهديدات الأمنية. وهو ما يُفقد أي آلية تفاوضية معناها ومشروعيتها، خصوصًا “آلية الزناد” التي طُبقت سابقًا بشكل أحادي الجانب، واليوم تُطرح مجددًا كأداة عقابية بلا سند قانوني.
بناءً عليه، فإن أي محاولة من الدول الأوروبية لإعادة فرض العقوبات عبر هذه الآلية تفتقر إلى الأسس القانونية (بسبب إخلالها هي نفسها بالاتفاق)، والعدالة الأخلاقية (بسبب تغاضيها عن العدوان على إيران)، والمنطق السياسي (لأن الاتفاق ذاته لم يعد قائمًا فعليًا).
