الحبيب سالم المشهور
“الويل لأمةٍ كثرت فيها الطوائف، وقل فيها الدين”، هذه كلمة خالدة للأديب الكبير جبران خليل جبران، هي أشبه بنبوءة، وإن شئت قل بوعيد على لسان أديب حكيم، عاش بدايات تشكل النفس الطائفي في أجزاء من بلاد الشام، وعرف اليد الخفية التي تقف خلف تأجيج الطائفية وتغذيتها.
أتابع بقلق كبير الأحداث السورية وتصاعد المعضلة الطائفية، والتوترات السياسية بين الطوائف هناك، وهي أحداث لا مستفيد منها إلا العدو الصهيوني ومن يريد شرا بالعرب.
لا منتصر في حروب الطوائف، كلنا خاسرون! هكذا كتبت في حسابي في منصة إكس، فأتتني الكثير من الردود والتعليقات التي تعكس إشكالا كبيرا يعيشه الكثير من أطياف أمتنا العربية، بعض تلك التغريدات تتحدث عن كون تلك الطائفة هي الأمة والبقية أقليات وطوائف، وردود أخرى تتحدث عن قصة طويلة من المظلومية، وكأننا نحاول أن نجد مبررا للثأر والانتقام!
لا منتصر في حروب الطوائف؛ لأن الأوطان تلعن أبناءها عندما يقتتلون!
لا منتصر في حروب الطوائف، فالتاريخ الطويل لأمتنا يعطينا درسا في هذا، فالأندلس سقطت وخسرناها عندما أصبحنا طوائف وتمزقت لُحمتنا فوجد العدو فرصته في انتزاع هذا الجزء من وطننا الإسلامي الذي حكمناه لقرابة ثمانية قرون.
وإذا عدنا إلى التاريخ الأوروبي سنجد أنهم عاشوا تجربة مريرة في الصراع الديني بين الكاثوليك والبروتستانت ثم أدركوا أن الصراع والدماء لا يُمكن أن تكون حلا لاختلافهم، فقرروا التعايش فيما بينهم، ومن المفارقة العجيبة أن بعض كبار فلاسفتهم الذين كتبوا في التسامح كان يُمثل على هذا بالنموذج الإسلامي في الدولة العثمانية، حيث عاشت الملل والنحل في درجة رائعة من السلم والحرية الدينية في تلك الحقبة.
لا منتصر في حروب الطوائف؛ لأنها معركة من عمل الشيطان ومروقٌ عن ثوابت الدين الحنيف، فقد ترك لنا نبينا الكريم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في حجة الوداع وصية خالدة، عندما قال: “لا ترجعوا بعدي كفارا يضربُ بعضكم رقاب بعض”.
نحن بحاجة إلى عودة إلى منطق العقل، إلى عودة إلى ثوابت الدين الحنيف، إلى خطاب يجمع ولا يفرق، ويصلح ولا ينكأ الجراح!
ثمن الصراع الطائفي هو خسارة الأوطان وضياع الدين، فهل يستيقظ العقلاء؟!
لقد جرب اللبنانيون حربا طائفية في بلادهم أحرقت الأخضر واليابس، وقتلت الشباب ورمّلت النساء ويتّمت الأطفال، فهل استطاعت طائفة أن تزيح أختها من الوطن وتستأثر به كله؟!
الشيطان قد يُزين لنا الانتماء إلى الطوائف والتعصب لها، ولكن الإنسان العاقل يُدرك جيدا أن الحالة الطائفية لا يمكن أن تكون سفينة نجاةٍ له، ولا يمكن للطوائف أن تكون بديلا عن الوطن بسعته وتنوعه وجماله.
أعتقد أنه من السهولة بمكان إيقاف الفتنة، إذا وُجدت النية الصادقة والرغبة الجادة، أسأل الله تعالى أن يكتب الأمن والأمان والطمأنينة والاستقرار لكل شعوب أمتنا العربية والإسلامية وأن يجنبنا كل خطاب أو فعل طائفي يفرق بين أبناء الأمة الواحدة وأن يرزقنا البصيرة في معالجة مشكلاتتا.
ورحم الله أبا مسلم البهلاني عندما قال:
وما ترك المختار ألف ديانةٍ
وما جاء في القرآن هذا التنازعُ!
