خاص ـ شؤون عُمانية
نظرا لما يشهده الواقع الرقمي الحالي في المجتمع المحيط من تسارع في وتيرة الابتكار الرقمي، فقد أصبح للذكاء الاصطناعي دور حقيقي وكبير في صناعة المحتوى، خاصة فيما يتعلق بكتابة المقالات اليومية في الصحف الورقية والإلكترونية، مرورا بكتابة المحتوى الرقمي أيضا في المنصات التفاعلية الإلكترونية بما فيها “إكس” وانستجرام وتيك توك وسناب شات وغيرها.
وعلى الرغم من أن الذكاء الاصطناعي يوفر قدرا كبيرا من الكفاءة والسرعة المذهلة، فثمة سؤال جوهري يُطرح حول هذا الأمر: هل يمكن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي بشكل كامل خاصة في ظل غياب القيم الإنسانية والأخلاقية له، وهل يمكن لنا أن نترك له التحكم الأول والأخير مع الإدراك التام بأن الاعتماد المفرط على هذه التقنيات في كتابة المقالات والمحتوى الرقمي قد يؤدي بلا شك إلى فقدان العمق الثقافي وتلاشي الهوية الصحفية وغياب الكلمة المسؤولة مع احتمالية انتشار معلومات غير دقيقة ومضللة؟
ويقول الكاتب أحمد بن علي الشيزاوي: “ما تجدر الإشارة إليه تاريخيا وعلميا ومنهجيا أن مرجع كشف وتحليل النصوص إذا كتبت باللغة الإنجليزية يكون عبر فحص بصمتها التقنية، تلك الطريقة التي انطلقت من حاجة الجامعات والمؤسسات الأكاديمية لضبط الأمانة العلمية قبل ظهور الذكاء المعزز بسنوات طويلة، هذه المنهجية اعتمدت بعد انتشار الغش الأكاديمي وشراء البحوث العلمية جاهزة، فكانت برامج مثل (ترنيتن) تُستخدم لرصد تشابه الأبحاث ورسائل الماجستير والدكتوراه، ومع ذلك كانت هناك مساحة متاحة، كون الاقتباس ليس ممنوعًا بالكامل، بل يُسمح بنسبة معينة من النقل الموثق غالبًا بين 10% و20% حسب طبيعة التخصص؛ فمثلًا في العلوم الإنسانية كالآداب يُقبل هامش أعلى لأن طبيعتها تعتمد النقد والتحليل والاقتباس، بينما في التخصصات العلمية والتطبيقية تضيق النسبة لأن جوهر تلك العلوم النتائج الأصلية والبحث الميداني.
ويضيف: “اليوم لا يمكن تحريم الاستفادة من التقنية، إن هذه التطبيقات وسائل لتلخيص الأفكار أو إعادة ترتيب النصوص مع الحفاظ على بصمة الكاتب، وأقرب الأمثلة إلى الذهن الآلة الحاسبة التي بدأ استخدامها في ثمانينات القرن العشرين بواسطة من يملك مهارات الحساب، ليستعين بها لتُسرّع العمليات الموسّعة في وقت أقصر، ومع هذا الانتشار السريع في نشر المواد المكتوبة بمساعدة تطبيقات الذكاء المعزز، يمكن الاعتماد على المنصات التي كانت مخصصة للجانب الأكاديمي في كشف زيف النصوص باللغة الانجليزية بدقة تبلغ 97% حسب إعلان الشركات المنتجة، ولكن درجة الدقة منخفضة جدا عند فحص النص العربي ولا تعتبر اعتماديه للتقرير، وهنا يتوجب اتباع الجوانب الأخرى ومن أهمها ملاحظة ترتيب الجُمل بنمط إحصائي ثابت؛ فتجد نفس الفكرة معروضة بالنص الذي كتبه التطبيق ومكررة أكثر من مرة بصياغات متقاربة، دون أن تُفتح لها مسارات جديدة أو تُرفد بتفاصيل حيّة تشهد أن وراءها عقلًا يضيف ويختصر”.
ويوضح الشيزاوي: “ما يثبت أن مقال رأي أو عمود صحفي كُتب بواسطة تطبيقات الذكاء المعزز، خلو هذه النصوص المولّدة من المعلومات والبيانات المحلية أو الإقليمية، وخلوها من الأرقام أو الإشارة إلى التشريعات أو الربط بالأحداث التي تواكب وقت النشر وتُسند فكرة الكاتب، بل ولا تتضمن حتى مجرد اقتباس رسمي من مصدر معتمد يربط مادة النشر بالواقع، وعلة ذلك أن الكاتب الحقيقي يعرف أن كل فكرة تحتاج إلى حقيقة تسندها أو استناد يجعل القارئ يرى بأم عينه ما يقوله القلم، ويترك أثرًا يثبت أن من كتبه عاش تفاصيله فعلًا أو تعب في جمعها، ومن أسهل ما يكشف به القارئ النص المكتوب بتطبيقات الذكاء المعزز أن ينظر إلى توازن الفقرات؛ إذ تجد كل فقرة تكاد تساوي أختها في عدد الحروف أو الأسطر حتى لو اختلف المعنى، وكأنها قُصّت بالمسطرة، والأمر ذاته يظهر داخل الفقرة الواحدة حين تجد الجُمل متساوية الطول، بلا جملة تمتد وتتشعب ولا عبارة تنكسر وتختصر كما يفعل الكاتب حين يترك للجملة أن تطول أو تقصر حسب سياق المعنى”.
ويشير الشيزاوي إلى أن هذا النمط يبرز أكثر حين تُستخدم هذه التطبيقات الصيغ المتقابلة أو العبارات المتضادة مثل: «ليس الهدف النقد بل التصويب» أو «لا نقول هذا ترفًا بل حرصًا»، فتأتي الجُمل وكأنها أشباه بعضها، متساوية في الوزن، متتابعة بلا حس أدبي، فتكون هي الدليل العملي على أن النص صُنع ولم يُكتب فعليا، مبينا: “ما يدل على أن المقال كُتب بقالب ذكي معزز أن تتسلل إليه كلمات دخيلة من لغة أجنبية كما هي أو تُرجمت ترجمة حرفية لا روح فيها، فتأتي فجّة بلا حس لغوي وتُفقد الجملة عفويتها الصحفية وأساسها الإقناعي الذي يصنعه الكاتب حين يصوغ عبارته من بيئته ولسانه، فترى بعض المقالات تحشو عباراتها بكلمات مثل (شوكة فكرية) أو (رأس الحربة) أو (نزعة محورية) وغيرها من الكلمات التي لا تستقيم في المعنى ولا تنضبط سياقا، فتُلقى وسط الأسطر حشو مترجم بلا حياة ولا تحمل وزناً يخدم تسويق الفكرة بل و يفسدها بكلام غريب لا أصل له”.
ويؤكد: “ما يثبت أن المقال كُتب بتطبيقات الذكاء المعزز أن هذه النماذج تولّد المسودّة أولًا باللغة الإنجليزية، ثم تترجمها إلى العربية دون عناية كافية بخصائص الجملة العربية، ولهذا يخرج النص مرتبًا على منطق الجملة الإنجليزية يخلو من حروف العطف المتسلسلة ويفتقد ترتيب التقديم والتعقيب الذي يميّز اللغة العربية وتظهر فيه علامات ترقيم لا مكان لها في الكتابة العربية مثل الفاصلة العليا (’) وسط السطر، أو الفواصل المنقوطة (;) على نسق غربي، أو علامات اقتباس مزدوجة لا تُستخدم بهذه الكثافة في السياق العربي، والقارئ إذا قرأ فقرة عربية كاملة فوجد فيها هذا الخلل البنائي وعلامات الترقيم المستوردة عرف أن أمامه نصًا لم يُكتب بلسان حيّ بل خرج من قالب يُفكك الإنجليزية ثم يلصقها بالعربية”.
من جهته، يلفت الكاتب عبدالله الشعيبي إلى أن المقالات المكتوبة تعد من بنات أفكار أصحابها بحسب الغرض منها، ولأنها من بنات الأفكار فهي ناشئة عن تراكم متدرج في التفاصيل الصغيرة المبنية على التأمل، والتي تخرج -لاحقا- على شكل مقالة مكتوبة، ولكن الذكاء الاصطناعي وفر -لمن هب ودب- وسيلة، يمكنهم من خلالها وضع أفكار تعبر عنهم ولكنها مُصاغة عن طريق طرف آخر، أي أنها مكتوبة بكبسة زر بعد تسجيل طلب عن الفكرة، ولا بذل فيها للجهد أو التفكير أو التأمل او المقارنات أو التحليل أو التوصيف، لتصبح المقالة عبارة عن جمل قصيرة مرصوصة بالقرب من بعضها البعض، وخالية من الروح.
ويتابع قائلا: “الأكيد أن الاستسهال هو السبب الأساس في اتكاء الكثيرين من الراغبين في زج أسمائهم بين الكتّاب المتحققين والموهوبين، لمنازعتهم مكانة (الكاتب) المتسم بالرصانة والأصالة والابتكار، المكانة التي تتطلب جهوداً مضنية وطويلة في القراءة والتفكير ومعرفة اللغة والتقنيات الكتابية والوسائل الفنية اللازمة لتحقيق أفضل مستوى إبداعي في الكتابة.
ويضيف الشعيبي: “برأيي، لا يمكن تصنيف المكتوب بواسطة الذكاء الاصطناعي إبداعاً، لأن ما ينتج عن الذكاء الاصطناعي تعود ملكيته إلى الذكاء الاصطناعي، ولا رأي أو فكر أو توجه للمستعينين بهذا النمط الكتابيّ، لأن المحتوى الرقمي، الذي يصول ويجول من خلاله الذكاء الاصطناعي، يتسم بمناخات البرودة والجمل الركيكة والتراكيب الضعيفة والأفكار الجاهزة والمعلبة والمقولبة، وهذا ما يجعلها من غير روح.. يدور المعنى والمبنى حول اللجوء غير الحميد إلى وسائل وسيطة غير قادرة على ابتكار الفكرة المختلفة واللغة المخاتلة والتركيب الملفت والحس المدهش والتجاوز العميق والوعي الرصين والصيرورة الدالة إلى تغيير الرؤى والثوابت، أفراد خاملون لا يملكون موهبة ولا روحاً ولا رؤيا، ينسلّون من وراء الأبواب الموصدة والشاشات الصغيرة والكبيرة الملونة ولوحات المفاتيح، من أجل الإدلاء بدلو وهمي في الرأي أو الإبداع”.
كما يبيّن: “نتائج الاعتماد في كتابة المحتوى الرقمي على الذكاء الاصطناعي كارثية، سواء على المدى القريب أو البعيد، إذ هذا معناه أن الكل سيتحول إلى كاتب أو كاتبة من غير فقه في الكتابة، ومن السهل أن يمر هؤلاء الأشخاص الذين يعتمدون على الذكاء الاصطناعي في كتابة المحتوى والمقالات بشكل كامل من بوابات الرقابة الكتابية من دون أن يلفتوا نظراً، بسبب قلة المحترفين في رصد المحتوى والمحتوى المقارن، على الرغم من سهولة الإجراءات؛ فهل يمكن وضع قانون للمطبوعات والنشر يراقب الكتابات المتحققة عبر وسيط ونسبتها إلى الذات؟ آمل ذلك”.
وفي السياق، يقول سيف البادي وهو متخصص في الشأن التقني والحوسبة: “لا يمثل استخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير المهارات وتحسين النصوص بحد ذاته تحديًا، بل تكمن الإشكالية في الاعتماد الكلي عليه، إن الاستخدام غير المتوازن للذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى انتشار محتوى مكرر ورتيب على الإنترنت ما يجعله غير جدير بالاهتمام، كما يهدف الذكاء الاصطناعي إلى تعزيز الكفاءة وتسهيل العمليات وتبسيط التعقيدات، وعليه يلجأ إليه بعض الكتّاب المتخصصين لتحسين نصوصهم التي بذلوا فيها جهدًا كبيرًا، وأنا أدعم هذه الفئة”.
ويضيف: “في المقابل، أرفض استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل سيء من قبل أولئك الذين يفتقرون إلى الفهم العميق للمحتوى وأبعاده، والذين لا يمتلكون الخبرة اللازمة في صناعة المحتوى، إن الاستخدام غير الأخلاقي للذكاء الاصطناعي ينطوي على مخاطر جمة، بما في ذلك انتشار المعلومات المضللة وصعوبة التحقق من الحقائق، بالإضافة إلى التداعيات السلبية على حقوق الملكية الفكرية”.
أما الكاتب سالم السيفي فيرى أن أن العالم أصبح يقفز قفزات سريعة نحو العلم والابتكار وكل ما من شأنه تطوير الفكر المعرفي وتقديم الخدمات التي تسهل على المستخدمين الكثير من الصعوبات، لافتا إلى أن الذكاء الاصطناعي يعد واحدا من بين هذه الابتكارات التي أصبحت تتوسع دائرتها المعرفية وتسابق الزمن في صنع الكثير من المشاريع والتوجهات التي يحتاجها الإنسان في حياته العامة والخاصة.
ويوضح: “ولكن علينا أن ندرك أن لكل شيء ضريبة وتختلف الضريبة عبر المقاصد من الاستخدام الذي يقوم به ويحتاجه المستخدم لمثل هذه التقنيات، فمثلا نلاحظ كثيرا أن ثمة أشخاص وكتاب وباحثين جعلوا الذكاء الاصطناعي دليلا وقائدا لأعمالهم ومشاريعهم وكتاباتهم وهذا على المدى المنظور سيشكل خطرا كبيرا بما في ذلك تعطيل العقل البشري عن ماهية الإبداع والتطوير الذاتي، والاتكاء عليه كعكاز جاهز الذي مهما كانت صلابته سيتهاوى ذات لحظة ويهدم تاريخا لكاتب/ مهندس/رسام/ باحث الخ لأنه انتقل من طور الجهود الذاتية إلى الجهد الاصطناعي ذي القوالب الجاهزة والمظللة ناهيكم عن ركاكة جودة النص واللغة والربط بين الأفكار سيما في كتابة المقال”.
ويذكر السيفي: “في الآونة الأخيرة أصبح العديد من صناع المحتويات يقحموا الذكاء الاصطناعي في محتوياتهم الرقمية، وأصبح الهدف الوحيد هو الكسب المادي لا النماء وديمومة التطوير الذاتي من خلال الجد والاجتهاد في الابتكار والمعرفة”.
بدوره، يقول سعيد الصلتي وهو مختص في الشؤون التقنية ومهتم بالذكاء الاصطناعي: “اللجوء المتزايد إلى الذكاء الاصطناعي في صياغة المقالات والمحتوى الرقمي يعكس تحوّلاً في أدوات العمل الإعلامي. ولكن هناك من يستخدمه كأداة مساعدة لتحسين جودة النص أو تسريع عملية الكتابة، ولكن في المقابل، نلاحظ أن البعض يعتمد عليه بشكل كلي دون تدخل بشري، وهو ما يُضعف البُعد الإبداعي والفكري للمحتوى. وكما هو معروف، الذكاء الاصطناعي لا يعوّض الخبرة التحريرية أو الإحساس الإنساني في معالجة القضايا، خاصة تلك التي تمس الشأن العام أو تتطلب تحليلاً عميقاً.”.
ووضح أنه على المدى القريب، قد يؤدي استخدام الذكاء الاصطناعي إلى تحسين الإنتاجية، لكن مع تزايد الاعتماد عليه دون رقابة تحريرية، تبرز مخاطر حقيقية تتعلق بالمصداقية والجودة الفكرية. وقد يفقد المحتوى بصمته الإنسانية التي تضفي عليه التميز والتجديد. أما على المدى البعيد، فهناك احتمال حقيقي بأن يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة فعالة في نشر الأخبار المضللة والمحتوى المغلوط، مستفيداً من قدرته على إنتاج نصوص ذات طابع مقنع يصعب على القارئ العادي تمييزها عن الكتابة البشرية. وهنا تبرز مسؤولية المؤسسات الإعلامية في وضع معايير واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، بأن يكون وسيلة مساعدة لا بديلاً عن العقل البشري. فالقيمة الفكرية والإبداعية تبقى مرتبطة بالإنسان، ولا يمكن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في نقل الرسالة الإعلامية بشكل مستقل دون إشراف ورقابة واعية”.
