أحمد بن علي الشيزاوي
الزميل والصديق المحب حمود الطوقي، لم تكن تغريدتك الأخيرة مجرّد سطورٍ تُكتب ثم تُنسى، ولا حكايةً تُروى ثم تُطوى، بل كانت أشبه بفلاش باك سينمائي أشعل في ذاكرة الناس صورًا لتجارب ظنّوها طُويت لكنها ظلّت ساكنةً في الضمائر.
كانت كلماتك بمثابة مفتاحٍ فتح أبوابًا ظلّت مغلقةً في صدور كثيرين، فأيقظت فيهم يقينًا بأنّ المسؤول الذي وقف أمام كلٍّ منهم يومًا كحاجزٍ وسدٍّ منيع، هو ذاته من أقرّ بلسانك أنّه حين جلس على كرسيّ الإدارة ظنّ الروتين حزمًا والبيروقراطية نظامًا، غافلًا عن أنّ الورق إن لم يُكتب ليسهّل العمل، صار سياجًا يُقيّد الأمل.
وهؤلاء المواطنون، يا أستاذ حمود، ما زالوا يؤمنون في قرارة قلوبهم أنّ هذه الطريقة في إدارة شؤونهم تُخالف جوهر رسالة النهضة الحديثة ووعد عاهل البلاد الراحل جلالة السلطان قابوس بن سعيد — طيّب الله ثراه — الذي رسم للناس يوم 23 يوليو 1970 ملامح الطريق بقوله: “وإني أعدكم أول ما أفرضه على نفسي أن أبدأ بأسرع ما يمكن أن أجعل الحكومة عصرية”.
ولنا أن نتذكّر دومًا أنّ الحكومة العصرية هي التي تُقصّر المسافات بين المواطن وحاجته، لتُقرّب الأبواب وتختصر الدروب وتُزيل الحواجز أمام حاجات الناس، التي حين تنتظر طويلًا تُثقِل قلوبهم قبل أوراقهم.
ولعمرك، إنّ ما كشفته تغريدتك يؤكّد أن غاية وهدف بعض الموظفين في وادٍ، والوعد الذي حملته النهضة في وادٍ آخر، وما بين الواديين ضمائر تعرف ما ذاقت من مرارة، و ألسنةٌ تتهامس: من المسؤول عما يحدث؟
يا أستاذ حمود، نحن أبناء مدرسةٍ تتلمذنا فيها على أنّ أيدي الحكومة ممدودةٌ للناس، وهي سندٌ يرفعهم ومصداق ذلك ما تعلّمناه مبكرً من سلطانٍ عاش بيننا ولم يُغلق دونه الأبواب وكان شعاره دومًا، عندما يخاطب رجالات الدولة إنّ “العدل أبوّ الوظيفة وحارسها”.
وأنّ العدل إذا غاب، صار المنصب عثرةً في طريق المواطنين، لا عونًا لهم، لأن من يغيب عنه العدل، يغيب هو عن موقعه الرحمة.
وليس من العدل في شيء أن يتحوّل المكتب الذي وُضع ليُنجز شؤون الناس، إلى متاهةٍ من أختامٍ وتأجيلٍ وأعذار.
ولأنّ ما كتبتَه يدور حول جوهر الثقة التي نحملها في مؤسساتنا، فإنّ رغباتٍ متواترة من غير مجموعة حوار، تبنّت فكرة إحاطة جهات حفظ النظام العام علمًا بمن أسرّ إليك بهذا الاعتراف الجريء، وفي أيّ موقعٍ كان يمارس صلاحياته.
لقد جاءت أصواتٌ صادقة في مجالس عفوية وجلسات حوار، تنادي بأن تصل رسالتك كاملة إلى من بيدهم أن يضعوا النقطة فوق الحرف، ويزنوا بميزانٍ عادل كم أرهق هذا المنهجُ السجلات والناس معًا.
هم لا يريدون سوى أن ترى جهات حفظ النظام العام هذه الحقيقة، كما نطقها صاحبها بعد أن أدار ظهره للكرسي، لعلّها تُقدّر حجم الأثر وتضع يدها على مكان الوجع، وتقيس طعم الكأس الذي ذاقه الناس على مدى سنين، قبل أن يُذاق للذي سكبه بأمره يومًا، وإنّ من ذاق الكأس بعد التقاعد ليس كمن شربه صامتًا قبله.
وهذه التطلعات ليست عتبًا ولا خصومةً بل نفَسًا صادقًا يلتقي مع ما رسّخه جلالة السلطان هيثم بن طارق — حفظه الله — حين وجّه بمراجعة آليات العمل وتبسيط الإجراءات، وتعزيز الحوكمة والنزاهة والمساءلة.
لسنا نبحث عن اسمٍ نعلّقه على جدار العتاب، ولا نريد أن نفتح باب التشهير أو العبث بالسمعة، ولكنّنا نؤمن أنّ الكلمات التي نُقلت عن ذلك المسؤول بعد أن غادر موقعه لن تُثمر شيئًا إن بقيت مرسلةً بلا تفصيل.
فالحقيقة حين تكتمل تُصلح ما ترتّب من أثر، وتُغلق الباب أمام تكرار الخطأ ذاته بأيدٍ جديدة.
فهل من ضامن أن هذه المنهجية قد تلاشت تمامًا؟ وأنّ المسؤولين كافة يعملون وفق رؤى القيادة، ولا يسنّون نظم عمل تخالفها؟ أم أنّ الأمر بحاجة للعرض والفحص؟
نحن نثق أنّ قلمك يا أستاذ حمود لم يُكتب ليُبقي نصف الحقيقة حبيسةً بين أسطر التغريدات، ولكن هدفك أن تسرد للناس درسًا لا يُنسى، مفاده أنّ خدمة الناس ليست ترفًا ولا مِنّة، بل عهدٌ وقسمٌ يُسأل عنه المرء، قبل أن يُقال له تفضل بالتقاعد.
ولعلّ كل من يقرأ ما كتبتَ وما كتبنا، يذكّر نفسه بذلك القسم الذي ردّدوه يوم سلّموا أكتافهم للأمانة، ذلك القسم الذي يختم كل باب: أن تبقى مصالح الناس أوّل حبرٍ في الملفات، وآخر توقيعٍ عند غلقها.
#رسالة_لكل_مسؤول
#أمانة_التاريخ
