فاطمة بنت ناصر
نحن أمام اختبار كبير منذ فترة طويلة، ولكننا اليوم أمام أمر عظيم، إنها الحرب بين اليهود والمسلمين، هكذا يراها معظم الناس. فإسرائيل لا يُعترف بها، والقتال مع اليهود فيها يتجاوز القتال على قطعة أرض اغتصبوها، إنه قتال قائم على خلفية دينية وتاريخية، وكذا الحال بالنسبة لإسرائيل التي تقوم بالقتال أيضاً على أساس عقائدي.
لا يمكننا أن نُقصي أثر الدين في التعاطي مع الحروب الكبرى حتى في العصر الحديث، ولا ننسى ما قاله الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش حول الحرب الصليبية حين عقد النية على محاربة الإرهاب بعد هجمات 11 سبتمبر، التي انطلقت أيضاً من منطلق ديني متشدد.
ونتساءل هنا: هل التعامل مع الانتقام يكون بالحرب والمواجهة فقط؟! كيف يشكل الدين ردود أفعالنا؟ ماذا يقول علم النفس حول علاقة الضحية بالجاني؟ وهل تعلمنا من دروس الماضي؟ أم أننا نعيد تكراره بإصرار واقتناع، متقبّلين حتى النتائج الوخيمة التي تعقبها؟
المحرقة الإسرائيلية: حين يشبه الضحية جلاده
يقول نيتشه: “من يحارب الوحوش عليه أن ينتبه ألا يتحول هو نفسه إلى وحش. وإذا أطلت النظر في الهاوية، فإن الهاوية تطل فيك أيضًا.”
أن تحولك إلى نسخة مكررة من المعتدي عليك أمر تم تفسيره في علم النفس، وهو يتعلق بسلوك “التكرار القهري”، الذي فيه تجد نفسك تكرر ما وقع عليك دون وعي. فمثلاً، تجد الكثيرين ممن تم اغتصابهم في الصغر يمارسون نفس السلوك بغيرهم، ومن كانوا يُؤدّبون بالضرب والصراخ فقط، يكبرون ثم يمارسون نفس الفعل على أطفالهم.
إذن، لمدخلات وتجارب الطفولة دور كبير جداً في تفسير أفعالنا الحالية. وهذا ينطبق تماماً على ما تقوم به إسرائيل حالياً، فهي تقوم اليوم بحرب نازية ومحرقة تشابه ما حل بقومها من قبل هتلر.
إن كل ما هو حاصل اليوم، ما هو إلا تكرار للماضي، لن نتخلص من شره دون التحليل العميق لما يحصل. لهذا، من المهم أن نتساءل: ما هي النماذج التربوية التي مورست على الشعوب؟ وما هي المعلومات التعليمية الدينية والتاريخية التي تم ترسيخها في العقول منذ الصغر؟ حينها نكون قد خطونا خطوة واحدة لفهم سلوكنا وفهم سلوك الآخرين نحونا.
لماذا لم تنتقم اليابان من أمريكا؟
تقول الحكمة اليابانية: “من يربّي أطفاله على الألم، يورثهم النار. ومن يربّيهم على الحكمة، يورثهم النور.”
بعد ما حصل في هيروشيما وناجازاكي عام 1945، وتلك المأساة الإنسانية الكبيرة في اليابان التي قامت بها الولايات المتحدة، كان على اليابان أن تقرر كيف ستتعاطى مع هذه الكارثة وهذا العدو الوحشي. وما قامت به جعلها مثالاً للأمة التي تعلمت دروس الماضي لتبني حاضراً أكثر ازدهاراً، وشعباً أكثر وعياً في تعاطيه مع الظلم من غيره. ومن بين ما قامت به الآتي:
-
أقرت في عام 1947 دستوراً سمته (دستور السلام)، تنص المادة 9 فيه على أن اليابان قد تخلت للأبد عن الحرب.
-
إعادة تشكيل الرؤية التعليمية وكتابة مناهج جديدة تركز على السلام وبناء الأمة، وإدراج درس الأخلاق بشكل أسبوعي، وتعزيز المسؤولية المجتمعية المشتركة بقيام الأطفال بالتنظيف والاهتمام بمحيطهم، دون الشجار حول “من قام بتوسيخ المكان هو من يقوم بتنظيفه” كما يحصل بشكل معتاد حولنا. فالكل يساعد بعضه للحفاظ على المدرسة، وهي رمز مصغر للوطن، فينشأ الأطفال وهم يتعاطون مع الضرر الواقع على أحدهم كمشكلة جماعية تتطلب التكاتف والتعاطف وتقديم المساعدة.
-
قامت الدولة بتأهيل الناجين من المأساة النووية عبر العديد من البرامج المكثفة، فهؤلاء الناجون إن لم يحصلوا على الرعاية المناسبة، قد يتسببوا بأفعال متطرفة كالتشدد والرغبة في الانتقام. يقول أحد الناجين من ناغازاكي:
“لقد اخترنا أن نحيا للسلام، لا أن نموت في الكراهية.” -
قامت اليابان ببناء عدة متاحف، وأول تلك المتاحف:
-
متحف السلام التذكاري لهيروشيما (Hiroshima Peace Memorial Museum)، والذي تأسس عام 1955 ضمن حديقة السلام في هيروشيما.
-
قاعة الذكرى والسلام لهيروشيما (Honkawa Elementary School Peace Museum).
-
متحف السلام لمدرسة فوكوروماتشي الابتدائية (Fukuromachi Elementary School Peace Museum).
-
هذه المتاحف الغرض منها التوعية بأهمية السلام وضرورة نزع السلاح النووي.
على سبيل المثال، يقول شعار متحف هيروشيما:
“لترقد هنا أرواح الضحايا بسلام؛ فلا نكرر الشرّ.”
الخطاب المستخدم في المتاحف يركز على توسيع منظور الحرب، وعدم تخصيصه لعرض المأساة اليابانية، بل هي رسالة يابان للعالم أن الحرب دمار للبشرية ومقبرة للإنسانية.
-
استعراض أخطاء اليابان التاريخية والتعاطي مع تاريخها بمنظور نقدي، حيث يتم الاعتراف بأن اليابان قد قامت باستخدام العنف في وقت من الأوقات، ولكنها تعلمت الدرس ودفعته ثمناً غالياً، وتلك الأخطاء لن تتكرر في المستقبل.
بهذا السلوك، يتم تربية جيل أكثر وعياً لا يرى في تاريخه المجد والكمال كله، بل يعترف بالأخطاء ويفكر كيف سيغير من نفسه في المستقبل. فالكثير من الدول تمجد تاريخها بخيره وشره، وهذا خطأ كبير، فعدم اعترافنا بأخطاء الماضي يجعل منا أكثر قابلية لتكراره مستقبلاً.
لقد انتصرنا!
يقولها الإسرائيلي والفلسطيني، وفي الواقع لم ينتصر أحد، فليس من قتل أكثر قد انتصر، وليس من قاوم انتصر، الكل يبدل الغالي والنفيس منذ عشرات السنين، ولم ينتصر أحد. لا إسرائيل انتصرت بتدميرها ومجازرها، ولا الفلسطينيون انتصروا بالتضحية بأهالي غزة.
فكيف يتحقق النصر دون توحيد الصفوف! غزة ليست فلسطين، وأهاليها ليسوا إلا جزءاً من عدد كبير لم يقف على رجليه من أجل التحرير، بل إن السلطة الفلسطينية تلعب دور المتفرج والشامت على قرارات حماس!
هل انتصرنا؟ لا، لم ننتصر.
الانتصار يعني الغلبة والهيمنة وامتلاك القرار، فهل حققنا أيّاً من هذه الأمور؟ كلا، فنحن غارقون في حلم النصر الموعود فقط. نشتّت ونقتل شعوبنا، وندمر أراضينا بسبب قرارات عنترية لا أكثر، ثم نستجدي الرحمة في نفوس الأمم ليسعوا من أجلنا لعقد الهدن والجلوس للتفاوض.
فكم من مرة جعلنا من أرضنا خراباً، وحين نقوم بإعادة البناء، لا نلبث حتى نكرر نفس الخطأ وباستخدام نفس الأساليب، متوقعين في كل مرة نتيجة مختلفة، وهذا ما يسمونه الغباء.
الانتصار الحقيقي هو بإعمار الأرض كما قال الله، وكما طبقته اليابان، التي أيضاً في وقت من الأوقات كانت قد ارتكبت فظائع إنسانية بحق غيرها من الشعوب، وبعد ما حصل لها أعادت قراءة التاريخ معترفة بأخطائها، ومدركة أن الانتصار الحقيقي يمكن تحقيقه بطرق أخرى غير حمل السلاح.
التاريخ كما يقولون يعيد نفسه، فاقرؤوا التاريخ لعلكم تهتدون.
