أحمد بن سليمان الكندي
أيقظ حادث حافلة الطلبة الذي وقع في ولاية ازكي مجموعة من الأفكار التي كنت قد طرحتها سابقا على وزارة التربية في مقال بنفس هذا العنوان ، وها أنا ذا وبعد أكثر من عشر سنوات أعود لمشاركتها وطرحها على من يهمهم الأمر ، بعد الحادث الأليم الذي وقع وراح ضحيته ثلاثة أطفال مع سائق الحافلة.
أولا
إذا ما رغبنا في اختصار الموضوع فإن مشكلة تجويد خدمة الحافلات المدرسية تكمن في رغبة وزارة التربية و المدارس الخاصة في تقديم هذه الخدمة بأقل كلفة، أو دعني احترز فأقول أن آلية نموذج العمل المتبع حاليا تقود إلى ذلك ، وحتما سيكون هذا على حساب الجودة ومستويات الأمان المطلوبة.
وهذا ما ينبغي القفز عليه في حال رغبتنا الجادة في رفع كفاءة هذه الخدمة والحد من الحوادث المؤسفة التي تقع بين حين وآخر.
ثانيا
الآلية التي تتبعها وزارة التربية والتي حسب علمي لا زالت سارية إلى الآن تقوم على أساس تنافس اصحاب الحافلات على الفوز بعقود الخدمة عن طريق المزايدة ، وهو ما يعني ان يفوز بالعقد صاحب أقل سعر ، صحيح أن المسؤولين ليسوا ملزمين بقبوله ، لكن هذا ما يحصل غالبا ، أما في المدارس الخاصة فهي تسعى الى خفض النفقات ما أمكنها ذلك ، وبالطبع لن تكون خدمة نقل الطلبة بمعزل عن هذا التوجه.
ثالثا
مع أن وزارة التربية -والحق يقال – تضع شروطا ومعايير جيدة في قبول الحافلات والسائقين ، إلا أن مستوى جودة الخدمة واستمرار وقوع الحوادث المؤسفة يشير إلى ثمة ثغرات في نموذج العمل الحالي تؤدي إلى تمرير حافلات أو سائقين ليسوا في المستوى المطلوب، الأمر الذي يزيد من احتمال حصول مثل هذه الكوارث ، وهذا ما اطّلعت عليه شخصيا إبان عملي في دائرة الجودة بوزارة التربية ومن خلال ما كنا نسعى اليه من تجويد لهذه الخدمة .
ومن تلك الثغرات في نموذج العمل الحالي أن المنطقة التعليمية لا تجد مناصا من ارساء العقد لصاحب الحافلة في حالة عدم وجود منافس آخر له في المزايدة مهما كان حالة الحافلة وذلك لعبا على وتر الضرورة، ولنا ان نتخيل مستوى جودة هذه الخدمة إذا جزمنا بأن هناك تفاهم مسبق بين اصحاب الحافلات في توزيع العقود بينهم، والحقيقة وهو ما اطّلعت عليه ايضاً أن التعاون بين اصحاب الحافلات يصل إلى حد التحايل على الشروط من خلال تبادل التجهيزات الخاصة بالحافلات عند الفحص، وهناك ايضا تجاوزات فيما يتعلق بتوفير السائقين المؤهلين لهذا العمل من خلال استبدال سائق الحافلة بسائق آخر غير مؤهل التأهيل المطلوب. ناهيك عن حالات عدم الانضباط في توفير الحافلات وحالات الغياب المسجلة ، والمشاكل التي يعاني منها مديرو المدارس نتيجة لذلك.
رابعا
لوضع النقاط على الحروف ، نقول ان لا شيء يرفع من مستوى أمان ومستوى جودة هذه الخدمة من تبني نموذج العمل القائم على تركيز مسؤولية الخدمة على طرف واحد يستطيع تقديمها وفقا لافضل المعايير وتستطيع الجهات الرسمية مراقبته ومحاسبته على اي تقصير .
إن بؤرة المشكلة في نموذج العمل الحالي هو تعدد مقدمي الخدمة في المحافظة التعليمية الأمر الذي يصعب معه الإشراف على الخدمة وضبط جودتها.
وعليه فإنني أدعو إلى تبني نموذج عمل يقوم على أن تتولى هذه المسؤولية شركات متخصصة وفقا لضوابط محددة تضمن تقديم الخدمة بالكفاءة والفعالية المطلوبة.
إن نموذج العمل الذي أدعو اليه له محاسن كثيرة يصعب الإحاطة بها في هذه العجالة ، لكن وفقا لمبدئه العام فإنه يوفر آلية عمل اكثر كفاءة بدءا من التخطيط ومرورا بالتنظيم وتوزيع المهام وتحديد المسؤوليات الإدارية والقانونية وانتهاءا بالمراقبة والمحاسبة والتحسين.
وما من شك ان عمل الإخوة القائمين على خدمة الحافلات في المناطق التعليمية سيكون أسهل بكثير عند تعاملهم من مزود واحد او اثنين بدلا من تعاملهم مع عشرات وربما المئات من أصحاب الحافلات كما هو الحال الآن .
خامسا
في الوقت الذي أدعو فيه إلى إيلاء هذا الموضوع ما يستحقه من أهمية ، فإنني لا انكر الجهود التي بذلتها ولا زالت تبذلها وزارة التربية والتعليم، وما من شك ان هناك تحسنا قد حصل ولا يزال يحصل في هذه الخدمة مقارنة بالسنوات الماضية ، وعلى الصعيد ذاته فإنني أدعو إلى عدم تحميل وزارة التربية والمسؤولين فيها كامل المسؤولية عن وقوع مثل هذه الحوادث ، إنني انطلاقا من أهمية هذا الموضوع أدعو إلى ان تتضافر جهود جميع الجهات العامة ولاسيما الجهات الأمنية والجهات المسؤولة عن جودة الخدمات العامة والجهات المسؤولة عن جودة التعليم بشكل خاص من اجل التنسيق مع وزارة التربية والتعليم لدراسة هذا الموضوع ، واقرار ما تراه مناسبا من اجل الوصول بخدمة الحافلات المدرسية إلى مستوى الأمان المطلوب لأبنائنا الطلبة.
