سلمان الفارسي
في عالم تحكمه المعلومة وتُدار فيه العلاقات الدولية عبر الشاشات والخوارزميات، لم تعد الحروب مقتصرة على الميدان التقليدي، بل امتدت إلى فضاء أوسع وأكثر تعقيدًا: “الفضاء السيبراني”.
لقد أصبحت حرب البيانات وتقنية المعلومات من أبرز وجوه الصراع في القرن الحادي والعشرين، حيث تتقاطع فيها أدوات التكنولوجيا مع الحسابات السياسية والاقتصادية والأمنية.
البيانات وقود الصراع الجديد
في هذا العصر، تُعد البيانات أحد أهم موارد النفوذ، بل تتجاوز في قيمتها أحيانًا الثروات الطبيعية، إذ يمكن توظيفها في التأثير على الرأي العام، وتوجيه الأسواق، واختراق الخصوم، أو حتى زعزعة استقرار الدول.
وكما أشار الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش: “الحروب المستقبلية لن تُخاض بالسلاح فقط، بل بالبيانات والمعلومات.. ويجب على المجتمع الدولي وضع قواعد لضمان أمن الفضاء الرقمي للجميع.”
الذكاء الاصطناعي: الجندي الخفي
ومع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي في ساحة الصراع السيبراني، أصبحت البرمجيات قادرة على شن هجمات متطورة أو حتى توليد محتوى مضلل يصعب كشفه.
وباتت أنظمة الذكاء الاصطناعي تُستخدم في تحليل الثغرات واختراق الأنظمة الحساسة، بل وحتى شن حملات إعلامية رقمية مُغلّفة بالإقناع والذكاء، ما يجعل الاستثمار في قدرات الذكاء الاصطناعي الآمن ضرورة وطنية لا تقبل التأجيل.
الهجمات السيبرانية: التهديد غير المرئي
لقد شهد العالم في السنوات الأخيرة تصاعدًا غير مسبوق في الهجمات السيبرانية التي طالت منشآت طاقة، ومؤسسات مالية، ووسائل إعلام، وأنظمة انتخابية في دول كبرى.
ويُحذر براد سميث، رئيس شركة مايكروسوفت: “في كل ثانية تُشن مئات الهجمات السيبرانية حول العالم.. والتهديد الحقيقي لا يكمن فقط في التكنولوجيا، بل في غياب الوعي بها.”
ولا تقتصر هذه المخاطر على الحكومات فحسب، بل تطال حياة المواطن اليومية من خلال استهداف تطبيقات الهواتف، وسرقة البيانات الشخصية، أو تعطيل الخدمات الحيوية مثل الصحة والتعليم.
الدبلوماسية الرقمية: توازن وردع
إن تطور الصراعات الرقمية يستدعي من الدول اعتماد دبلوماسية رقمية ذكية، تنطلق من مبدأ حماية الأمن السيبراني، وترسي قواعد واضحة للتعامل بين الدول في هذا الفضاء المفتوح.
ولم يعد التعاون الدولي في هذا المجال خيارًا، بل ضرورة لضمان أمن المجتمعات، وصون الخصوصية، وتعزيز ثقة الشعوب في البيئة الرقمية.
سلطنة عُمان.. وعي مبكر واستعداد راسخ
أدركت سلطنة عُمان مبكرًا أهمية الأمن المعلوماتي، فأسست مراكز متقدمة في السلامة المعلوماتية، وعزّزت التشريعات ذات الصلة، ودمجت الأمن الرقمي في رؤيتها الوطنية.
وقد جاء في وثيقة رؤية عُمان 2040: “تهدف رؤية عُمان 2040 إلى بناء مجتمع رقمي وآمن يتمتع بالثقة والمرونة في فضاء معلوماتي مستدام.”
