محمود بن خلف العدوي
ليست كل الأرواح نتمنى أن تعود،
وليس كل غياب يمكن أن نبرره، ولكنّ الظروف تجبرنا على الغياب.
يشعر الإنسان بعد غياب إنسان عزيز عليه بالوحدة التي ربما لا يشعر بها الآخرون؛ لأنها تسكن داخله، وبين فترة وأخرى توقظ ذكرياته، والأحاديث التي دارت بين الروحين، كأمواج بحرٍ هادئة أحيانًا، وأحيانًا أخرى تتحول إلى أمواج لا ترحم من يقترب منها؛ تسحبه إلى أعماق البحر المجهولة، أو تقذف به إلى الأرض فيرتطم بها. تتداخل هنا المشاعر، فيصبح الإنسان في مزاج متقلب، شارد الذهن، غارقًا في تذكر واسترجاع كل اللحظات والأماكن التي جمعته بتلك الروح العزيزة عليه.
تتزامن تلك الأيام والشهور والسنوات من الغياب مع الانتظارات الباهتة تحت أنوار الشوارع الكئيبة، تشاهد المسافرين في صالات المطارات، منهم من يوجه نظره بين فينة وأخرى إلى ساعة يده، ومنهم من يوجه نظره إلى الشاشات المعلقة ليعرف موعد الإقلاع أو الوصول.
تحت مشاهد الانتظارات المرهقة، ثمة من يعيش دون أن يشعر بنسائم الهواء المنعشة وهي تدخل بلطف إلى رئتيه فتريح النفس.
لا يعرف أن الحديث في ساعات المساء له ذوقٌ آخر وطريقة مختلفة، فهو لا يحتاج إلى صوت عالٍ أو صراخ، وأن هناك نجومًا تتلألأ ببطء في السماء، وحين يشتد الظلام تراها قد ملأت السماء الواسعة، فتعطي جمالية أخرى للكون ذي الأسرار الغامضة.
هذه الأرواح الغائبة تتجسد أمامك في عيون الآخرين، في همسات أصواتهم، في ضحكاتهم وابتساماتهم الخفيفة النابعة من القلب. كلما أردت أن يهدأ الشوق الذي تشعر به، تفتح الرسائل القديمة، أو تغمض عينيك لتأتيك الأرواح الغائبة على هيئة أحلام رائعة، تبتسم دون أن ترى ابتسامتك، ولكنك تشعر بها.
كل هذا يحدث عندما تكون فعلاً الأرواح التي أحببتها أرواحًا نقية من الداخل، لا تغيرها تقلبات القلوب، رغم أن الكثير من البشر يتهم الزمن في ذلك.
الزمن ذاته، ومكوناته ذاتها من أسماء (الأيام، الشهور، السنوات)، الوقت إذاً لم يتغير.
هل يمكن للأرواح المتشابكة أن تنسى؟!
ذلك الاشتباك بين الأرواح لأشياء كثيرة متشابهة يجعلها تلتقي مع بعضها البعض، وكأن هناك قوة داخلية مخفية تجذب الأرواح، تجذب الأحاديث، الاهتمام، الاحتواء، الشغف، وغيرها من الأشياء التي تعمل كقوة جاذبة مخفية، لا يمكن أن تخطئ في اختيار الأرواح التي تريدها أن تكون معك.
وها أنت تمشي في الطرقات كتائه لا يعرف الأماكن، وبداخلك كومة من الأسئلة الإنسانية الكبرى، فتحاول جاهدًا أن تجد لها الإجابات، ولكنك تعجز، ليس لأنك لا تستطيع، ولكن من الصعب جدًا فهم طبيعة الإنسان، وخاصة الإنسان الذي يعيش في تناقض مع نفسه قبل أن يعيشه مع الآخرين.
هذا الإنسان المتناقض يحمل أرواحًا مختلفة مصبغة بألوان عديدة يغلبها اللون الأسود.
وعندما تعود تلك الروح بعد سنوات من الغياب، تصبح عاجزًا عن البوح، فتصنع بداخلك رعدة داخلية لا يسمعها غيرك، تهز كل أجزاءك الداخلية، وترعد المنطقة الواقعة ما بين المخيلة والذاكرة، فتسترجع كل الذكريات دون أن تكون قد نسيت شيئًا منها.
وتتساءل: كيف يمكن للنسيان أن يوقف تلك الذكريات عند عودة الروح الغائبة؟
الذكريات التي نحملها ونحن في سنوات من الغياب، ثمة شيء من الحواس المثيرة يجعلها قادرة على الاسترجاع، رغم الانكسارات السابقة.
تحاول أن تلوح بيدك من خلف نافذة الغرفة إلى المارة في الشارع ليقرؤوا رسالتك المكتوبة على الندى المتكوّن على زجاج النافذة، قبل أن تبخرها أشعة الشمس الحارقة، وتتبخر معها كلماتك.
هذه الشمس الحارقة التي غيرت لون أوراق الأشجار، فأصبحت باهتة صفراء تنتظر الهواء لينتزعها من الغصون، لتبدأ رحلة جديدة من الألم والمعاناة.
وسط نصف الغياب، تكتشف أنك إنسان تائه، تبحث عن تلك الروح لتنتشلك مرة أخرى قبل أن يغرق نصفك الآخر، فيموت المكون الحقيقي للإنسان: (الروح الصافية الطاهرة).
الروح التي تغذيها الأرواح الأخرى لتظل على طبيعتها الإنسانية، المحبة للخير، والمتصالحة مع نفسها ومع الجميع.
لا تعرف الأنانية في التعامل، تؤمن بمبدأ الروح الخيّرة، رغم أن الأرواح الخيّرة باتت قليلة في زمن الماديات، التي أغرقت الأرواح في صراعات مع ذاتها ومع الآخرين.
ترى السعادة والراحة والأمان في هذه الماديات، وهي لا تعلم أنها ترهق نفسها، لتجد روحها بعد فترة من الزمن والوعي واليقظة من الغفلة، أنها متعبة ووحيدة، لا أحد يهتم بها أو يسأل عنها.
هذه الأرواح عندما تغادر وتفارق الآخرين، لا يكون هناك شعور بغيابها أو فقدها.
هذه الروح العائدة تمثل ذلك الاشتباك الجميل بين القلب والعقل، هي نقطة التقاء الأرواح لتصبح روحًا واحدة في جسدين مختلفين.
تتحكم هذه الروح في الآخر، فيتولد بداخل كلٍّ منهما ذلك الاهتمام والاحتواء والخوف، حتى وهما في غمرة الانشغال بأمور الحياة، يكون كل ذلك حاضرًا؛ فهناك شيء يحرك ذلك.
هذه المشاعر تحافظ على الإحساس الإنساني، فالمسافة الجغرافية هنا لا وجود لها، ولا الوقت الذي أصبح أداة تسرق الأرواح من بعضها البعض وتفرقها ببطء، أداة صنعت من الإنسان الأنانية (الأنا) دون شعور بالآخرين.
الحب مع هذه الروح العائدة ليس حبًّا مقتصرًا بالنفس فقط، وإنما هو امتداد أعمق لكل الأشياء المتشابهة بين الروحين، لكل شيء يولّد الحب بين الأرواح ويجعله متماسكًا.
أثناء جلوسك والالتقاء بهذه الروح العائدة النقية الطاهرة المحبة، تشعر أن الوقت يمر سريعًا، لا ترغب بالنظر إلى ساعة يدك حتى لا تعلم كم من الوقت مضى.
يؤرقك النظر إلى عقاربها وهي تتحرك في دائرة مغلقة، مسجونة دون حرية أو تصرف منها.
في هذا اللقاء، تتقارب الأرواح دون فاصل المسافات، تلتقي أرواح العيون، أرواح القلوب، وأرواح الأحاديث الرائعة.
وقبل ذلك اللقاء، تدور بدواخلك تساؤلات كثيرة: هل العمر غيّر ملامح الوجوه؟
رغم أن الروح الداخلية لا تهتم بذلك، ولكن طالما هناك ذاكرة مخزنة لتفاصيل سابقة، فإنها تثير تلك التساؤلات العجيبة.
هذه الروح العائدة لا تعرف الأحقاد والأغلال، تجدها دائمًا تبحث عن العزلة والصمت، تبحث وسط جماليات الكون الإلهي وعجائب خلقه، تتساءل مع ذاتها، وهي في صراع دائم مع الشر الذي يحاول أن يجذبها إليه، ولكنه يعجز، لأنها لا تريد أن تكون من الأرواح السوداء، الأرواح المثقلة بالهموم التي تطفئ بهجتها الإنسانية، وتصنع منها أشكالًا من الأرواح المتنوعة.
هذه الروح العائدة لديها نظرة خاصة للحياة ولجماليتها غير المفهومة لدى الأرواح الأخرى، سوى مع روحك؛ فتشعر بدفء الأمل العائد من جديد.
هي عودة تجدد الحياة، كمن يرى أشجار زهوره تذبل تحت هوج حرارة الصيف، تلك الأشجار تقاوم هي الأخرى لأجل أن ترد الجميل لصاحبها ذو الروح الطاهرة.
فهو لم ييأس عندما شاهد أوراقها اليابسة تتساقط، فتحملها الرياح بعيدًا عن أغصان الأم، لينتهي بها الأمر إلى مكان مجهول أو تُسحق تحت الأقدام.
كان الأمل المتوغل بداخله غذاء أشجار زهوره لتعود أوراقها خضراء، وتتفتح أزهارها من جديد، فتُسَرُّ العين، ويَطمئنُّ القلب، وتستريح الروح بعد انقطاع.
تحتل هذه الروح العائدة عزلتك لتضفي عليها شيئًا من السلام والهدوء، لتغرق في التفكير وأنت تسمع همسات حديث تلك الروح الرائعة.
فتمنحك الروح الإيجابية لتُمضي نحو تحقيق طموحاتك وأهدافك بكل صمت، فقط من يعرف كل ذلك هي تلك الروح الأخرى العائدة إليك من جديد.
هذه الروح العائدة تنتزع منك الكبرياء، لتعرف ماذا يعني تواضع الروح، فتجعلها مقبولة لدى الآخرين دون نفاق أو تزييف.
إنها سر من أسرار الروح المخفية، هذه الروح العائدة إليك تعرف ألمك، معاناتك، همومك، قبل أن تبوح بها، تعرف كل ذلك من نبرة صوتك، من تعابير وجهك وعينيك.
تعرف كل ذلك لأنها هي جزءٌ من روحك الغائبة والعائدة إليك من جديد.
وفي لحظات كثيرة، وأنت في غمرة الصراعات اللامتناهية، تنتابك أحيانًا مشاعر السقوط والانكسار، ولكن في لحظة القدر الجميل، تأتي هذه الروح العائدة كحبل يلتف حولك بلطف، ليسحبك إلى الأعلى، ويضعك في منطقة آمنة دون أن تشعر بكل ذلك.
تجد نفسك قد عادت من جديد، عاد إليها نبض الحياة، فيزيد تمسكك بهذه الروح العائدة، الروح التي ترغب دائمًا أن تراك في أعلى قمة الإنجازات، دون أن يكسرك أو يعيق طموحاتك وتطلعاتك شيءٌ ما.
هذه الروح ليست مثل تلك الأرواح التائهة التي تعيش الانكسار والسقوط مع نفسها.
وأنت غارق في الغربة، رغم شعورك بوجود الآخرين من حولك، تسمع أصواتهم وأحاديثهم، حضورك جسدي فقط، أما روحك فهي في عالم آخر، منغمسة في النظر إلى العيون، محاولًا الوصول إلى عمق تلك الأرواح المحيطة بك.
البعض يضحك رغم أنه ليس هناك شيء مضحك في حديث الآخر، تهرب بروحك في تلك اللحظة، وتغوص في أفكارك المتضاربة، تتحدث معهم قليلاً وتصمت كثيرًا، تريد مغادرة المكان لتناجي تلك الروح العائدة في مكان فسيح لا يعيق نظرك شيء.
في هذا المكان الفسيح، تجد العوالم الأخرى من الكون، عوالم ليس الكل يستطيع أن يفهم ما يحدث فيها، عوالم تمنحك لقب “إنسان” وأنت منغمس وغارق في تأملها، وفي البحث عن أسرارها.
مع هذه العوالم والروح العائدة، تكتب دون تردد، دون وجود خفقان الخوف بأن لا أحد سيفهم ما تكتبه.
تخاطب وتحاور تلك الروح العائدة، لتثير ملكات العقل وتطرح تساؤلاتك دون شكوك أو ريبة بأنك أصبحت تائهًا مجنونًا.
الروح التي تفهم ما تقوله، وتشعر بما تقوله، هذه الروح العائدة تعرف حيرتك أكثر مما تعرفها أنت، فهي بداخلك كروح أخرى.
تظل أرواحنا تحن وتتلهف إلى الالتقاء بمثل هذه الأرواح؛ لأنها أرواح نقية، صافية، مخلصة، ووفية، ما زالت محافظة على العهد رغم الغياب الزمني الطويل.
فالعطاء بين الأرواح النقية الطاهرة يثمر، ومثل هذه الأرواح جديرة بالاحترام والتقدير.
