محمد بن علي الوهيبي – شؤون عُمانية
على الطريق البري الممتد من الشمال وكلما اقتربت من الجنوب تتبدّل الملامح شيئًا فشيئًا، وتشعر بأنك تغادر اليابسة الجافة إلى عتبة حُلمٍ أخضر.
ومن ثمريت تبدأ رسل الخريف تُبشّر بقدومه، غيومٌ تهمس في الأفق، نسيمٌ ناعم يلامسك كأنما يهيئك لحكاية قادمة.
عند صعود الجبل يعانقك الضباب بطبقاته الندية، وتمهّد لك خُطى السُحب الناعمة الدرب بعد عناء الربع الخالي.
كلما تنفست السماء وأمطرت تبدأ ظفار في الكشف عن أسرارها،حينها فقط تدرك أنك دخلت المساحة التي لا تُقاس بالزمن، بل بخفقة ندى، ونبض ضباب.
في صلالة تشعر أن الهواء يناديك باسمك، وكأنها لم تكن وجهةً على خارطة السفر، بل قدَرًا جميلاً ظل ينتظرك بصبر ليلتقيك في اللحظة التي تستحق.
هناك لا تسير الفصول وفق المألوف، وحدها صلالة من بين مدن الجزيرة العربية تختار أن تنفصل عن رتابة المناخ، وتأتي بالخريف في قلب الصيف.
تهطل فيها السعادة مطرًا، ويتحول الزمان إلى حالة شعرية، والناس إلى حكاياتٍ تمشي بين الضباب.
في صلالة لا تحتاج للبحث عن الجمال بل هو يسبقك بخطوة، يتناثر من شرفات الجبال و”درايش” البيوت، يتدلّى حسنها الفتّان من سعف النارجيل ليسكن في بساطة الناس، وفي قلوبهم التي تمطر ترحيبًا.
ظفار قصيدة خضراء تُكتب بالغيم.
“بتذكّرك كل ما تِجي لَتغَيِّمْ
وجهك بيذكّر بالخريف
بترجع لي كل ما الدني بدها تعتم
مثل الهوا اللي مبلّش عَ الخفيف”
كأن فيروز كانت تنشد ظفار دون أن تسميها فما الغيّم إن لم يكن مرآة لها؟ وما المطر إن لم يكن أغنية تُغنّى فوق جبالها وبحرها وبساتينها؟ هنا حيث الخريف لا يشبه الخريف، بل يعانق الصيف في مشهدٍ استثنائي، يجعل من صلالة عروسًا مدهشةً، ويغدو الغمام ذاكرة، تمامًا كما غَنت فيروز، وفي سهل أتين يمكنك أن تفترش الأرض بقلبك قبل جسدك، تتناول وجبة الغداء كما لو كنت تقتسمها مع الطبيعة ذاتها، بينما تنثر شجرة اللبان سحرها السرمدي كأنها صلاة منسية، وتهمس الريح الليّنة حولها كمن يخشى إيقاظ سرّها المقدّس، هي ذاكرة الأرض حين تتعطّر، وحنين التاريخ حينما يشتعل بالبخور.
وإذا اتجهنا نحو عيونها المائية نجدها تمنح خريفها سحرًا مضاعفًا، حيث تتناثر عيون ظفار بين الجبال والوهاد كأنها نبضات لحياة أخرى، من أشهرها “عين صحلنوت” بممراتها المرتبة، و”رزات” بسحرها الأخّاذ، و”أثوم” بشلالاتها المنسابة.
تتألق “عين طبرق” بين الجبال الشاهقة، و”دربات” بجداولها الرقراقة، و”جرزيز” بعبقها العريق، بينما تنساب “حمران” بلا انقطاع، وتبقى “حشير” جوهرة خضراء في حضن الجبل تؤنسها أشجار “هيروم ذري” الشامخة.
تتوشّح محافظة ظفار بعشر ولايات، لكلٍّ منها نبضها الخاص، “صلالة” القلب النابض وعطر الخريف، “طاقة” ببحرها الهادئ وهمس شواطئها، “مرباط” التي تحمل ذاكرة السفن والتاريخ، “رخيوت” بجروفها العاتية كقصائد في وجه البحر، “ثمريت” عتبة الصحراء وسرّ عبورها، “ضلكوت” بعذرية طبيعتها، “المزيونة” بنبض الحدود، “مقشن” بصحرائها الشاسعة، “شليم وجزر الحلانيات” بتنوعها الجغرافي والبيئي الفريد، “سدح” بعطاء البحر وكرم الموج.
أكاد أجزم أن لا أحد يعبر “ريدان” أرض الأحقاف واللبان ويغادرها، إلا وقد نثر شيئًا من روحه بين تضاريسها، وعاد منها يحمل في قلبه شيئًا من الغيم.
