د. حمد بن مبارك الرشيدي
في مساءٍ لم يكن كسائر المساءات، رنَّ هاتفي في لحظةٍ جمعت بين الخوف والدهشة. إنه ابني الأوسط، زكريا… أصيب في حادث مؤلم فقد خلاله عينه اليسرى. كأنّ الحياة فجأة انكمشت لتُغلق بابًا من نورٍ كنت أراه في عينيه كل يوم.
ركبت سيارة الإسعاف، وأنا بالكاد أتماسك. لكن الدموع سبقتني، سالت على وجنتي دون استئذان. كانت دموع أبٍ ينهار من الداخل، تتكسّر أنفاسه بين الدعاء والذهول.
⸻
الدمعة الأولى… دمعة وجع
لم تكن دمعة واحدة، بل كانت سيلًا من الحزن.
رأيت ابني مُسجّى، تتوسد عينه المصابة شريطٌ من الشاش، يتلوّى بين الألم والسكوت.
بكيت على ضوء عينه الذي خبا، وعلى ملامح كان النور يتمركز فيها.
“لها عينٌ أصابت كل عينٍ وعينٌ قد أصابتها العيونُ.”
بت ليلتي تلك معه بمستشفى صحار كأطول ما تكون الليالي، كان ليلا أطول من ليل امرئ القيس (وما بي من سقم وما بي معشق) بلى والله إنه الحزن على فلذات الأكباد سقم وأي سقم، لابد من اتخاذ قرار في الصباح والأطباء بمستشفى صحار أكدوا أنه لا أمل في عودة العين إلى محجرها بعد أن خرجت منه لأن العظم الذي هو بمثابة الكرسي للعين متهشم وبالتالي لا مناص من إزالة العين وتركيب عين صناعية، كان الأهل كلهم محيطون بي وكنت موافقا في البداية على إزالة العين استنادا إلى تقاريرهم ولكن أخي راشد وكان يكلمنا من بريطانيا مصرا على استنفاد كل الوسائل وأصر على تسفيره للخارج وحسنا فعل وكان السفر لإيران فهي المشهورة بعلاج العيون
⸻
الدمعة الثانية… دمعة رجاء
عندما وصلنا إلى المستشفى في إيران، استقبلنا طبيب بعينين مليئتين بالخبرة، وبصوتٍ مطمئن أخبرني:
“لا تقلق، سنعيد العين إلى محجرها.” فكرسي العين ليس مهشما كما كانت تقول تقارير الأشعة بصحار
كلمات الدكتور كانت بردًا وسلامًا على قلبي، وانهمرت دموعي ثانية… لكنها كانت دموع فرح هذه المرة.
ليس مهمًا كيف، المهم أن “زكريا” سيكون بخير، وأن عينه ستعود إلى مكانها.
كان الفرح مختلطًا بالامتنان، بنورٍ صغير في آخر النفق.
⸻
الدمعة الثالثة… دمعة يأس
لكن، لم تكتمل الفرحة، إذ بدأت العين تلتهب ، وبدأت آثار الاحمرار تظهر عليه من جديد كأنما هي جمرة ملتهبة.
عدت أنظر إليه، وقلبي يتمزق. عدت أبكي، لكني لم أعد أبكي على العين فقط، بل على نظرةٍ قد لا تعود، وعلى أملٍ بدأ يتراجع وعلى التهاب قد يؤذي العين الثانية وحملته لمستشفى النهضة وجلس هنالك شهرا يدورون عليه بقطرات العين كل ساعة بلا فائدة وكانوا يغيرون القطرات وأحيانا يطلبون مني شراءها وعندما يئست من ذهاب الالتهاب قررت أن أسافر به إلى روسيا فهي المتقدمة في طب العيون وفعلا في خلال أسبوعين ذهب الالتهاب والحمد لله، لكن نور العين كان قد انطفأ إلى غير رجعة.
وفي لحظةِ تأملٍ، تذكرت بيتًا قاله أحد الشعراء في محبوبته التي فقدت عينًا:
“لم تَذْوِ إحدى زهرَتَيه وإنما كمُلتْ بذاك بدائعُ التشبيهِ”
“فكأنها رامٍ يُغمِّضُ طَرْفَهُ ليصيب بالسهم الذي يرميه!”
وكأن الله أراد أن يُكمل في زكريا صورةً من صور البلاء الجميل… لا لتُنتقص ملامحه، بل ليُرسم فيه وجه الصبر.
⸻
زكريا… عيناك لا تنطفئان
يا بني، إن غابت عين، فإن لنا ربًّا يعوّضنا بنورٍ آخر.
ربّما لن ترى بها كما كنت، لكنك سترى بحكمةٍ أوسع، وبروحٍ أكثر إدراكًا.
وإن بكت عيناك يومًا، فلقد بكى أبوك قبلك ثلاثًا.
لكنني الآن، أكتب لا لأبكي، بل لأقول:
إنك ستبقى في عيني، أجمل مما كنت…
ولو بعين واحدة
