المحامي أحمد بن حسن بن إبراهيم البحراني
من يقرأ القانون العماني الجديد المنظّم لمهنة المحاماة، ولائحته التنفيذية، لا بد أن يتوقف أمام ما يمكن وصفه بالتحول التنظيمي في فلسفة المهنة، والمتمثل في الفصل البنيوي بين نشاطين ظلا تاريخيًا متداخلين: المحاماة والاستشارات القانونية.
فلطالما كانت الاستشارة القانونية جزءًا لا يتجزأ من أعمال المحامي، يمارسها جنبًا إلى جنب مع الترافع، ويجسد بها وجهه الأكاديمي والعلمي إلى جانب وجهه الإجرائي والمهني. غير أن القانون الجديد اختار طريقًا مختلفًا.
إن هذا الفصل لم يكن اعتباطيًا، ولم يكن خاليًا من مقاصد تنظيمية. بل يمكن القول، إنه يعكس تحولًا في طريقة إدارة سوق العمل القانوني، حيث أراد المشرع أن يُعيد ضبط المداخل إلى هذا السوق، ويمنح كل نشاط كيانه المستقل وضوابطه الخاصة، لا سيما في ظل التحديات المتعلقة بالتوازن بين الكوادر الوطنية والكفاءات الأجنبية.
ففي ظل التوجه الرسمي لضمان أن لا يزاحم العنصر غير العماني المحامي العماني في مجال التقاضي، ارتأى المنظم أن يتم حصر الترافع داخل كيان “مكتب المحاماة” المقيد، الذي لا يجوز أن يضم أجانب، بينما فتح الباب للاستفادة من الخبرات الأجنبية – دون إخلال بسيادة المهنة – من خلال إنشاء كيان موازٍ مستقل اسمه “مكتب الاستشارات القانونية”، يخضع لترخيص خاص وسجل خاص وضوابط مهنية مختلفة، تُبعده عن أعمال الترافع والمثول أمام المحاكم.
هذه الفلسفة وإن بدت قيدًا للمكاتب الوطنية التي تطمح للجمع بين النشاطين ضمن هيكل واحد، إلا أنها تنطلق من حرص تشريعي واضح على حماية قطاع التقاضي من الممارسة غير المنضبطة، وعلى ضمان أن يظل هذا المجال في يد المحامي العماني، بوصفه شريكًا للعدالة لا مجرد مزوّد خدمة. إنها قراءة وطنية في توزيع الأدوار المهنية، لا يمكن فصلها عن الاعتبارات الاقتصادية والسكانية والمهنية التي تحيط بسوق الخدمات القانونية في السلطنة.
ومع ذلك، تبقى الأسئلة قائمة حول مدى مرونة هذا الفصل، وقدرته على الاستمرار في ظل تنامي الحاجة إلى كيانات قانونية شاملة تقدم خدمات متكاملة للعملاء. فبينما يُسمح للمكاتب الأجنبية بتقديم خدمات الاستشارة من خلال كيان مستقل، يُطلب من المكتب العماني – إن أراد التوسع وتوظيف كفاءات غير عمانية – أن يعيد تشكيل بنيته المؤسسية ويفصل نشاطه، وهو ما قد يضعف من قدرته التنافسية، أو يفرض عليه تكاليف إضافية لا يقدر عليها الجميع.
وفي نهاية المطاف، يظل الفصل بين النشاطين محاولة تشريعية لضبط التوازن بين الانفتاح والانضباط، بين حماية المحامي العماني وإتاحة الاستفادة من التجربة القانونية الدولية، وبين تأطير الممارسة وضمان جودتها. ولعل التجربة العملية وحدها، هي التي ستجيب عمّا إذا كانت هذه الفلسفة قادرة على تحقيق العدالة المهنية، دون أن تتحول إلى حاجز يقيد نمو المهنة في الداخل، أو قدرتها على منافسة الكيانات القانونية الخارجية.
إننا كمحامين عمانيين، مطالبون بقراءة هذا التحول بوعي، لا بالخوف. وبالتفاعل معه نقدًا وبناء، لا رفضًا وانفعالًا. فالمنظومة القانونية الحديثة لا تُبنى في يوم، ولا تُختزل في نص، بل تُصنع من الحوار المستمر بين أهل المهنة وراعيها التنظيمي، بما يحقق المصلحة الوطنية العليا، ويضمن للمهنة مكانتها وكرامتها.
