وضاح بن ناصر الهاشمي – عضو الجمعية التاريخية العمانية
حين تُفتح نوافذ التاريخ على شخصيات طواها النسيان، تظهر أمامنا علامات استفهام لا تكتفي بالدهشة، بل تطالبنا بالبحث وإعادة النظر.
لعل من بين هذه الشخصيات التي تفردت في الذود عن بلادها، والدفاع عن أرضها ضد الاستعمار البرتغالي، هو السلطان قطن بن قطن الهلالي الجبري، الذي ذكر في إحدى الوثائق البرتغالية في بحر عمان، أواخر القرن السادس عشر، بينما تغيب سيرته عن أغلب المدونات العمانية والعربية.
تأتي هذه المقالة، استنطاقا لما لم يكتب، وتقديم مادة مغايرة ومتأنية، تسير بين سطور ما كُتب، فالمعرفة لا تولد من الصدام، بل من حوار النصوص والوثائق، ومن مساءلة الرواية التاريخية لا مصادمتها.
ما أورده الكاتب العماني نصر البوسعيدي حول شخصية القائد العماني قحطان، يعد محفزا للمعرفة، ويستحق النظر والوقوف عليها بإمعان.
والعودة إلى الوثائق، من زاوية جديدة، لا تكتفي بما قيل أو كُتب عنه، بل تسعى لمراجعة ما كتبه نصر البوسعيدي، عن شخصية القائد العماني الهُمام، مرعب المستعمر البرتغالي.
حيث ذكر ما نصه: “لقد حالفني الحظ بتتبع هذا الاستعمار وملامحه من خلال الوثائق البرتغالية في بحر عمان لأصدم كثيرًا بأن المقاومة العمانية المنظمة تحت قيادة واحدة لم تتأنَ منذ عام 1507م، حتى عام 1592م، وحينما أشير للتاريخ الأخير فأنا هنا أتحدث عن وثيقة مهمة تذكر شخصية عمانية قيادية باسم الإمام قحطان، أو إمبراطور بلاد العرب مثلما تشير له الوثيقة البرتغالية.
وترجع أهمية هذه الوثيقة إلى أنها الوحيدة التي ذكرت فيها مقاومة عمانية منظمة بقيادة الإمام قحطان، وأما المثير للدهشة بأن شخصية قحطان للأسف ورغم البحث الشديد لم نجد له أي سيرة في كتب التاريخ العماني التي عاصرت تلك الفترة وهو استغراب بالطبع يضاف إلى الغرابة الشديدة في عدم وجود أي مصدر عُماني قديم معاصر للاستعمار كتب عن ويلاته وعن المقاومة!” لذا أرى أنه من الضروري أن يتّأنى الأستاذ نصر البوسعيدي في النشر؛ إذ ينبغي عليه التحقق من المصادر واستخدام أدوات التوثيق والتدقيق التاريخي، فضلاً عن استشارة الباحثين والمؤرخين المتخصصين في هذا المجال.
وهذا نص ما استند إليه الكاتب نصر البوسعيدي من وثيقة برتغالية مترجمة إلى اللغة العربية: “أما نحن فكنا ننتظر وصول مبعوث شيخ صور، ولأن بلشيور سيلفييرو كان قد حمّل زنوجا رسالة إلى شيخ صور وهي آخر قلعة تابعة لمملكة هرمز رغم أن الولاة الخاضعين لتلك المملكة أعلنوا عصيانهم ودخلوا تحت طاعة قحطان إمبراطور بلاد العرب كلها، لكي يلتحق بهم رفقة رجاله ليتسلّم البرشة ومدفعيتها قبل أن يرتفع أعداد البدو، وتشجيعا لأولئك الزنوج على السير بسرعة منحهم خاتمه النفيس، وما إن دقت الساعة الواحدة حتى كان بالشاطئ أحد مساعدي الشيخ الذي حيانا بأدب كبير وعبر لنا عن أسفه لما حدث لنا…، وقد دعا البرتغاليين إلى الانتقال إلى صور للاستراحة في أمان…، ولقد قصدنا صور عبر جبال شديدة الوعورة دون أن يكون معنا أكثر من ثلاث قلال ماء وبرميل بسكويت وقليل من الجبن”.
لقد أشارت الترجمة إلى قحطان إمبراطور بلاد العرب إلا أن موسوعة البرتغال في بحر عُمان التي نُشرت بتحقيق الشيخ سلطان بن محمد القاسمي تذكر في الجزء الثاني عشر في صفحة 543 في أحداث 1599م ما نصه: “قال بعضهم إنّهم عليهم قتلنا، وإنّهم عليهم تحريض عدد أكثر للقيام بذلك، وقال بعض آخر إنّنا تعرّضنا للغرق، وإننا لا نملك شيئاً، وإنّه من الأفضل أخذنا كسجناء، وأن يقدمونا هدية لـ”القطان”، وهو إمبراطور عربي.”
وبالبحث البسيط عن أحداث 1599م وما قبلها وبعدها عن من هو ملك العرب في تلك الفترة يتبين لنا من هو القطان أنه السلطان قطن بن قطن بن علي بن هلال بن زامل الهلالي الجبري حيث يذكر السالمي ما نصه في تحفة الأعيان في أحداث 964هـ الذي يقابلها عامي 1556م و1557م الصادر عن مكتبة السالمي: “وكان قطن بن قطن منتظرا للأمر” أي أن السلطان قطن بن قطن كان منتظرًا الفرصة تحين حتى يسيطر على الحكم في عُمان حيث يذكر الكيذاوي في ديوانه:
جاء الهلالي من أقصى الشمال إلى
عمان يقدمُ جيشاً أرعَناً مجِرِا
هُنا ذكر لبني هلال وهم أبناء السلطان هلال بن زامل الجبري ومن بني هلال كما ذكرنا هو السلطان قطن بن قطن بن علي الهلالي الجبري.
وهُنا يتسائل البعض من هو قطن بن قطن الذي ورد في الوثائق البرتغالية وعند السالمي حيث يجيبنا بذلك الدكتور عبداللطيف الحميدان عن آل قطن ما نصه: “وهنا لا بُدّ من أن نذكر أنه من المحتمل جداً أن السلطان قطن بن علي مد سلطته إلى عُمان أثناء فترة حكمه، وذلك إثر وفاة حسين بن سيف بن زامل، الذي لم تعد نعثر له على ذكر بعد سنة 928هـ/1522م، لذا فإنه من المحتمل أن تخلي ابن قطن عن الحكم كان قد تمّ وفق اتفاق تمّ التوصل إليه بين أولاد السلطان قطن وبين غُصيب (قضيب)، والذي يتضمن اقتسام البلاد بينهم، مثلما حدث بين أولاد السلطان أجود، فأخذ غُصيب (قضيب) الأحساء ونجد، في حين أخذ أولاد السلطان قطن عُمان. ويُستدل على أن هذا هو ما حدث من خلال وجود نفوذ قوي وسلطة واسعة لأولاد قطن في عُمان، حيث لعبوا، بعد هذا التاريخ بقليل، أدواراً خطيرة في الحياة السياسية لتلك البلاد”، ويبدو أن أولاد قطن، حين رضوا بهذه القسمة، كانوا يشعرون بقرب زوال دولة الجبريين في الأحساء.”
ويقصد الحميدان بأدوارٍ خطيرة في الحياة السياسية لتلك البلاد أي في عُمان.
فقد لا يجيب هذا النص عن كل التساؤلات حول السلطان العربي قطن بن قطن الهلالي، لكنه نقطة انطلاق مهمة؛ فقد أطلقت عليه الوثائق البرتغالية لقب “الإمبراطور” لكونه هو وأجداده حكموا مساحات واسعة من جزيرة العرب في القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر وجابهوا الغزو البرتغالي وصمدوا أمامه، لذا أدعو الباحثين إلى دراسة تاريخ قبيلة الجبور في عُمان منذ القرن السادس عشر وحتى اليوم مع التركيز على دورها السياسي والاجتماعي، وما يتطلبه ذلك من التمهل في النشر والاستعانة بالاستشارة العلمية لضمان دقة المعلومات، خاصة الانتباه إلى تشابه الأسماء لدى سلاطين الجبور الهلاليين؛ فمثلاً قطن بن علي له ولد وحفيد اسمهم قطن، ومحمد بن جفير الهلالي الجبري له ابن وحفيد باسم محمد، والسلطان ناصر بن ناصر بن ناصر الهلالي الجبري يُكرر اسمه عبر ثلاثة أجيال، مما يستوجب توضيح ما إذا كان الحدث التاريخي المشار إليه يعود إلى الأب أو الابن أو الحفيد.
