المحامي أحمد بن حسن البحراني
صدر في سلطنة عمان المرسوم السلطاني رقم ٤٤/٢٠٢٥ بتاريخ ٢٤ أبريل ٢٠٢٥، القاضي بإصدار قانون تنظيم نقل وزراعة الأعضاء والأنسجة البشرية، في إطار مواكبة التشريعات الحديثة للتطورات الطبية والأخلاقية والإنسانية في هذا المجال الدقيق. وقد شكل هذا القانون نقلة نوعية في البيئة القانونية العمانية، حيث عالج بإسهاب العمليات المرتبطة بالتبرع، النقل، الزراعة، والرقابة، إضافة إلى وضع نظام عقابي صارم للحد من التجاوزات والاستغلال.
يهدف القانون إلى تنظيم عمليات نقل وزراعة الأعضاء والأنسجة البشرية وحفظها، ومنع الاتجار غير المشروع بها، وضمان حرية الإرادة للمتبرعين مع حماية حقوقهم وحقوق المتلقين، إضافة إلى تعزيز الرقابة على المؤسسات الصحية ومزاولي المهن الطبية ذات العلاقة. وقد اعتمد المشرّع مقاربة مؤسسية ورقابية متقدمة، من خلال إنشاء اللجنة الوطنية لتنظيم عمليات نقل وزراعة الأعضاء، إلى جانب لجان أخلاقيات مختصة بالموافقة على تبرع الأحياء، ولجان طبية تتولى التقييم الإكلينيكي للعمليات. ويُلاحظ من تركيبة هذه اللجان وتداخل صلاحياتها أن المشرّع حرص على تفادي تضارب المصالح، وتحقيق أقصى درجات النزاهة والشفافية في هذا المجال.
ومن الجوانب اللافتة إنسانيًا، أن القانون منح المتبرعين وسامًا رسميًا يصدر بمرسوم سلطاني، يمنح لهم أو بأسمائهم بعد الوفاة، كما منح المتبرعين المواطنين مزايا علاجية مجانية مدى الحياة، مع إمكانية تقديم الرعاية المجانية للمقيمين المتبرعين، وفقًا لضوابط خاصة.
وقد شدد القانون في المقابل على شروط دقيقة للتبرع، ومنها ضرورة وجود صلة قرابة أو علاقة زوجية قائمة، وعدم جواز التبرع من الأطفال أو ناقصي الأهلية إلا في حالات خاصة تتعلق بالخلايا الجذعية، بالإضافة إلى اشتراط الموافقات الخطية، والتقييم الطبي والنفسي، والتحقق من الوفاة الدماغية عند التبرع من المتوفين، مما يعكس اهتمامًا كبيرًا بحقوق الإنسان وسلامته الجسدية والنفسية.
على صعيد آخر، برزت في هذا القانون منظومة عقابية حازمة تشمل جميع الأطراف المعنية، حيث يتدرج نطاق العقوبات من السجن والغرامات للمخالفات الإجرائية، إلى السجن المؤبد أو الإعدام في حال التسبب في وفاة المتبرع أو المتبرع له.
كما وسّع نطاق المسؤولية ليشمل الأشخاص الاعتباريين، كالمؤسسات الطبية، وأجاز فرض غرامات تصل إلى خمسة ملايين ريال عماني، إضافة إلى العقوبات التكميلية مثل إغلاق المؤسسات، ومصادرة الأدوات، ونشر الأحكام. ومن جهة أخرى، منح المشرّع إعفاءً من العقوبة في حال المبادرة بالإبلاغ عن الجريمة قبل وقوعها، مما يعزز الوقاية والردع في آن واحد.
ومن أبرز ملامح هذا القانون الدالة على تحوّل تشريعي نوعي، إلغاء المادة (٢٧) من قانون مزاولة مهنة الطب والمهن الطبية المساعدة، التي كانت تربط تنظيم عمليات نقل وزراعة الأعضاء بقرارات الوزير.
إن هذا الإلغاء يعكس رغبة المشرّع في إخراج هذه العمليات من النطاق الإداري المتغير إلى نطاق تشريعي ثابت وصريح، يوفر ضمانات أقوى، ويحسم المسؤوليات القانونية بشكل مباشر. فالمادة (٢٧) كانت توفر غطاء تنظيمي عامًا، بينما جاء القانون الجديد ليقدم تنظيمًا خاصًا، مفصلًا، ومتكاملًا، وهو ما يعزز مبدأ التخصص التشريعي ويمنع التداخل بين القوانين العامة والقطاعية.
ويعد القانون رقم ٤٤/٢٠٢٥ نموذجًا حديثًا لتشريع متكامل، يجمع بين التنظيم الدقيق، الحماية الصارمة، والتقدير الإنساني، ويضع سلطنة عمان في مصاف الدول الرائدة في هذا المجال على مستوى التشريعات الطبية. ويشكل هذا القانون ركيزة أساسية لضمان ممارسة آمنة، أخلاقية، وعادلة لعمليات نقل وزراعة الأعضاء، بما يواكب متطلبات العصر ويحترم كرامة الإنسان الحي والمتوفى على حد سواء.
