يعقوب الخنبشي / كاتب وأديب
في عالم تضطرب فيه الرؤى وتتنازع داخله السياسات والمصالح، يتجلّى التباين الخليجي في الأهداف والاستراتيجيات بوصفه مظهرًا لوعي سياسي ناضج، ونموذجًا مغايرًا لما آل إليه الواقع العربي المنهك بالصراعات والانقسامات الأيديولوجية، والموصوم بالانتكاسات الحزبية السياسية ما بعد الربيع العربي. لم يكن هذا التباين ارتجالًا ولا حظًا عابرًا، بل ثمرة رؤية متأنية شُيّدت على دعائم الاستقرار، والاستثمار في الإنسان والعمران والتعاطي الحذر مع الإرث الديني والمذهبي.
لقد استطاعت دول الخليج العربي، أن تنأى بنفسها عن المستنقع الطائفي والانقسام السياسي الذي ابتلع دولًا عربية لطالما تغنّت بالتمدن والتحضر والتأريخ والعلم والثقافة. إن خروج دول الخليج من دوائر التناحر المذهبي لم يكن صدفة؛ بل جاء نتاج مشروع سياسي يقوم على فكّ الارتباط بين التوجه الديني والدولة، وتحجيم استغلال الدين كأداة للشرعنة أو للوصاية على المجتمع الخليجي. ولعل أبرز ما ميّز هذه التجربة هو إدراك القبادة السياسية المبكرة لخطر المذهبية والطائفية ، ونجاح القبادة في إعادة توجيه الهوية الجامعة نحو الانتماء الوطني، لا المذهبي ورفع مستوى العدالة الاجتماعية للحد المعقول، مما ساهم في تحصين الجبهة الداخلية من الانقسام والانهيار.
وفي مقابل هذا النجاح، تنهال سهام النقد من نشطاء عرب، بعضهم يفتقد أدوات الفهم العميق، وبعضهم الآخر أسير أيديولوجيات بائدة، يرون في سياسات الخليج براغماتية متطرفة، أو يعتبرون الاستقرار جمودًا، ويقيسون الإنجاز بمقاييس ثورية شعبوية لا ترى في البناء سوى مظهر ترف وعمران اسمنتي جاف، ولا تقرأ في الأمن سوى قيدا محكم الإغلاق.
إلا أن هذا الهجوم لا يعكس سوى أزمة وعي تعاني منها قطاعات من النخب العربية التي لم تدرك بعد أن الاستثمار في الإنسان والبنية التحتية والاقتصاد المعرفي، هو في ذاته مشروع مقاومة وممانعة حضارية تتجاوز الشعارات الجوفاء.
وفي ظل هذه الإشكاليات، تتردد نغمة نشاز تزعم أن الثروات والأمول الخليجية “عربية” الهوية وحق مشروع مكتسب للعرب، ينبغي تقاسمها وتوزيعها على الأمة. وهي مقولة تنم عن منطق ريعي شعبي يختزل السيادة في المال، ويتجاهل أن هذه الثروات نتاج سياسات تخطيطية، واستثمارات ضخمة في التعليم والاقتصاد والسيادة الوطنية. المال لا يكون “عربيًا” بالهوية الجغرافية، بل بالمشروع الذي يحمله. ودول الخليج لم تبخل يومًا على أشقائها، لكنها في المقابل، لا يمكن أن تكون مموّلًا دائمًا لنُظم أغلبها فاشلة متناحرة أو لخطابات عبثية حاقدة لا أكثر.
لقد تصدّرت المملكة العربية السعودية، ومعها دول الخليج، المشهد العربي لا باستعراض القوة، بل بإنتاج الرؤية؛ فمن مبادرات السلام إلى قيادتها للاقتصاد العربي، إلى استضافتها لمؤتمرات المناخ والتقنية والذكاء الاصطناعي، إلى استقبال رؤساء امريكا وروسيا والصين.
وأثبتت الدول الخليجية أنها تتقدم لا لأنها الأكثر ثروة فحسب، بل لأنها الأقوى في الإرادة والقرار والقدرة على التأثير. وفي حين تراجعت قوى تقليدية في المشرق والمغرب العربي.
واليوم في قمة الرياض الخليجية الأمريكية تعيد دول الخليج ؛ تشكيل المشهد الاستراتيجي للمنطقة، وتعيد تعريف مفهوم الزعامة بعيدًا عن الخطابة والشعارات.
ومستقبل دول الخليج يقف على مفترق تاريخي بين واقع مشهود وطموح مرتجى . فبينما يعزّز الواقع دعائم الاستقرار والتنمية، يحمل الطموح الخليجي تطلعات لمكانة عالمية، عبر رؤية طويلة الأمد، ومبادرات في الفضاء والاقتصاد الأخضر، وتحولات في التعليم والرياضة، وجهود في التوازن السياسي والاجتماعي.
لذلك فإن الخليج لم يعد هامشًا في المعادلة الدولية، بل مركزًا جديدًا للقوة الناعمة، والاقتصاد، والوساطة، ليس باعتبارها الطرف الغني الذي يُنتظر عطاؤه، بل أصبحت، بقوة استراتيجياتها، الفاعل الأكبر في رسم خريطة المصالح العربية والعالمية. وإذا كان العرب يسائلون الخليج عن ماله، فإن السؤال الأجدر: لماذا لم يسائلوا أنفسهم عن مشروعهم؟ وعن دورهم في التناحر السياسي وفي إهدار الثروات والفرص التأريخية في بلدانهم؟
إن المستقبل، مثل الحاضر، لا يهب نفسه إلا لمن أدرك أن القوة ليست في المال، بل في العقل الذي يحسن توظيفه، وفي الإرادة التي تصنع به مجد الأمم؛ وهذا ما تفعله دول الخليج حاليا.
