زكريا الحسني
الهوية تميز أمة عن غيرها، ومرآة ترى من خلالها الشعوبُ الأخرى صورتك، وهي الجواز الذي تعبر به بين الأمم والحضارات، معرّفًا بذاتك وقيمتك وكل ما تحمله من إرث. إنها البصمة الفريدة التي لا تتكرر، والروح التي تُبقي جذوة الانتماء مشتعلة، والمعنى العميق الذي يمنح الوجود هدفًا وغاية. إنها الراية التي ترفرف في سماء الكرامة، والحصن الذي يحمي من الذوبان في طوفان العولمة.
وإذا أردنا أن نعرفها بإيجاز فالهوية هي تلك الخصائص والسمات والمعتقدات والقيم التي تُميّز الشخص أو المجموعة، وتُشكّل تفردهم وإحساسهم بالذات. وكلمة “هوية” مشتقة من الضمير “هو”، وقد عرّفها الشريف الجرجاني في كتابه التعريفات بأنها “الحقيقة المطلقة التي تشتمل على الحقائق، كما تشتمل النواة على الشجرة”.
الهوية هي الجذور التي تربط الإنسان بأرضه وتاريخه، وهي الخيط الخفي الذي ينسج الروح الجماعية للأمة، ويحافظ على تماسكها أمام رياح التغيير والتحديات.
لنتصور إنسانا لا يعرف ذاته، وعندما يتم تعريفه بذاته يُدرك هويته. هذه هي الهوية التي بواسطتها تدرك ذاتك قبل معرفة الآخر، ومن خلال هذه المعرفة تستطيع أن تدرك من أنت ومن تكون. إنها جوهر أساسي لتعريف الإنسان بتاريخه وماضيه، فهي تُعرِّفك بممتلكاتك من الأرض والأفكار والمعتقدات واللغة، وكل ما توصلت إليه الرقعة الجغرافية التي تروي تاريخ سلالة قائمة على هذه الأرض.
لهذا، يسعى الاستعمار إلى تضليل المفاهيم حتى تذوب هويتك، ليُستبدل بها هوية جديدة تابعة له، فلا تناضل ولا تكافح من أجل حقوقك وكرامتك. اليوم، نشهد حربًا شرسة على الهوية بمختلف الوسائل والأساليب، بهدف تحطيمها والقضاء على أي فكرة تُحفِّز على المطالبة بالحقوق أو النهوض بالكرامة.
يُستخدم الإعلام، والأدب، والاقتصاد، وجميع أدوات التأثير في هذه المعركة ضد الهوية، لتحقيق التبعية الكاملة. لذا، ينبغي أن نستفيق لهذا الخطر، وأن ندرك حجم المسؤولية، خاصةً المؤثرين من كُتّاب وأدباء وتُجار وغيرهم، في تعزيز الاعتزاز بالهوية والتاريخ.
إلى جانب ذلك، يجب العمل على بناء الحاضر لصناعة مستقبل مشرق للأجيال القادمة، لأن استمرارية الدول والحضارات تعتمد على هذه الجهود. فمن يتأمل في التاريخ، يدرك أن لغات اندثرت، وحضارات تلاشت، وسلالات توزعت بين البلدان، لذا، فإن الحفاظ على هذا الإرث يجب أن ينبع من عقيدة متينة ترتكز على أسس وقواعد راسخة، ومعرفة الذات لتحقيق الهوية كما ينبغي.
إن الهوية ليست مجرد انتماء عابر أو إرث موروث، بل هي شعلة متقدة تُلهم الأجيال جيلاً بعد جيل، تُرشدهم في ظلمات التحديات، وتُحصِّنهم من رياح التبعية والضياع. إنها إرادة حياة ومقاومة، وصوتٌ يَصدح بالحق والكرامة، وسلاحٌ يحمي الوجود من الاندثار. لذلك، فإن الحفاظ على الهوية واجبٌ مقدس ومسؤولية تاريخية، تتطلب وعيًا مستنيرًا وعملًا دؤوبًا، حتى يبقى للأجيال القادمة جذورٌ تعانق الأرض، وأجنحة تحلّق في سماء المجد والإبداع.
