محمد بن عيسى البلوشي
يلعب رأس المال البشري دورا محوريا في تنمية المؤسسات والمجتمعات، من خلال توظيف القدرات والكفاءات والمهارات والقيادات بما يحقق المستهدفات الفردية والمؤسسية والوطنية، ويتطلب ذلك اهتماما أكبر في تطوير وزيادة حجم الاستثمارات في هذا القطاع لتحقيق التنمية البشرية الرامية للازدهار والرفاه الاقتصادي.
ويعرف رأس المال البشري بأنه: “جملة المعارف والمهارات والقدرات التي يستثمر فيها الأفراد/ا لمؤسسات/ الحكومات وتتراكم لدى الناس/ الموظفين على مدار حياتهم بما يمكنهم من استثمار إمكاناتهم كأفراد منتجين في مؤسساتهم أو مجتمعاتهم”.
وفي البنك المركزي العماني الذي حاز مؤخرا على المركز الأول في جائزة الإجادة المؤسسية الحكومية لعام ٢٠٢٤ لرأس المال البشري، اهتمت الإدارة باستثمار رأس المال البشري عبر مجموعة من الأنشطة والبرامج المعززة لمعرفة الموظفين لرفع كفائتهم، ولعلنا نذكر من باب الرصد واقع استثمار رأس المال البشري في هذه المؤسسة التي تحتفي هذا العام بمرور ٥٠ عاما على إنشائها، وتتمثل في:
أولا: اهتم البنك المركزي العماني بتأهيل الكوادر البشرية للوظائف الإشرافية بهدف إيجاد “خط ثاني” للوظائف القيادية والاشرافية كنائب للرئيس التنفيذي ومدراء العموم ومدراء الدوائر ورؤساء الأقسام، وذلك عبر إلحاق الموظفين في برنامج ودورات متخصصة (قيادية) وأيضا تكليفهم بمسؤوليات وأعباء ومهام أعلى في حال شغل المنصب، وهذا ما أتاح فرصة تدريبهم على رأس العمل لصناعة القرارات ومتابعة الأعمال ورسم الخطط والبرامج الاستراتيجية.
ثانيا: ركز البنك المركزي العماني منذ وقت طويل على ملف تطوير الكفاءات بهدف رفع امكانياتهم وقدراتهم ومهاراتهم الوظيفية وأيضا معارفه ودرجاتهم العلمية، وتمكينهم عبر تنفيذ سلسلة متنوعة من البرامج التدريبية المتخصصة (إدارية/ فنية) وبرنامج تكملة الدراسات (دبلوم/ بكالوريوس/ ماجستير)، وأيضا التدوير الوظيفي الأفقي والذي أسهم بدوره في تنويع مهارات وقدرات الموظف ورفع جاهزيته وكفاءته للمهام المتعددة على نطاق القسم/ الدائرة/ المديرية/ القطاع، وفق منهجية متكاملة سعت المؤسسة منذ سنواتها الأخيرة إلى تحقيق الاستدامة في الوظائف وديمومة الأعمال في الحالات العادية أو الطارئة كما كان الحال في أوقات الجائحة.
ثالثا: سعت المؤسسة بعد تجربة العمل عن بعد في أوقات الجائحة إلى وضع منهجية إدارية لتخفيف عن ساعات العمل المفقودة من إجمالي ساعات العمل عبر تخصيص حزمة من البرامج المحفزة، ومنها ساعات العمل المرنة والعمل عن بعد وذلك بهدف تحقيق استدامة الأعمال وتخفيف الفاقد وتحقيق الكفاية في إدارة ساعات العمل.
رابعا: تمثل نسبة التعمين في القطاع المصرفي عموما حوالي (٩٢%)، وفي البنك المركزي العماني استطاعت الإدارة عبر برنامج التعمين من تحقيق التعمين بنسبة تصل إلى (٩٥%) خلال عام ٢٠٢٤، ويعود الفضل في ذلك إلى رغبة وإصرار الإدارة في تمكين الكوادر العمانية في القطاع المصرفي العماني.
خامسا: وفر البنك المركزي العماني عبر مبادرته في استثمار رأس المال البشري مساحة لتدريب الخريجين العمانيين ضمن برنامج “تعزيز” والذي أتى لتعزيز القدرات المعرفية في القطاع المصرفي وإكساب الخريجين المهارات الإدارية والفنية لدخول سوق العمل، إلى جانب استثمار الكفاءات الوطنية وصقل مهاراتها بما يمكنها من لعب دورها في القطاع المصرفي ويعزز متانة هذا القطاع بكوادر عمانية.
سادسا: بهدف تزويد سوق العمل بكوادر مختصة في مجال التحليل المالي والاقتصادي، فقد تبنى البنك المركزي العماني مبادرة استراتيجية في اعداد جيل من المحللين الماليين والاقتصاديين في القطاع المصرفي، حيث تمثلت تلكم المبادرة بإطلاق برنامج الخبراء الاقتصاديين والماليين العمانيين لدرجتي الماجستير والدكتوراه في الاقتصاد والمالية لفئة الباحثين عن عمل.وتعد هذه الخطوة النوعية واحدة من أدوات الاستثمار في رأس المال البشري والتي تعمل على صناعة جيل يتمتع بمعرفة وكفاءة وجودة ليسهم بدوره في التخطيط والتنفيذ والإجراءات ذات العلاقة بالمجال المالي والاقتصادي.
سابعا: يشعر الموظفون في البنك المركزي العماني بانتمائهم الى منظومة العمل وحرصهم على تكملة مشوارهم المهني والتدرج فيه في ظل الاستقرار الوظيفي والخطط التطويرية الموضوعة، ولهذا يظهر أن السياسات الادارية الممارسة جعلت الاستقالات محدودة جدا في المؤشرات العامة مع الأخذ في الاعتبار الى عدد المتقاعدين في العام الواحد.
ومن جانب آخر تقوم المؤسسة بندب عدد من خبراتها الوظيفية وفي مختلف التخصصات إلى مؤسسات الدولة والبرامج الوطنية بهدف نقل المعرفة والاستفادة من خبراتهم وخلق حالة من التعاون المؤسسي المفضي الى رفع كفاءات الكادر البشري وإثراء خبراتها القيادية والمعرفية، مع الإشارة الى استقطاب المؤسسة لعدد من الكفاءات العمانية للعمل معها عبر مختلف برامج التوظيف.
إن مستقبل تنمية وتطوير رأس المال البشري في البنك المركزي العماني يمضي وفق منهج يتم رسمه من قبل القطاع المعني بالموارد البشرية، ورؤية يقودها معالي أحمد المسلمي محافظ البنك المركزي العماني، وفي ظل إشراف عام لمجلس الإدارة برئاسة صاحب السمو السيد تيمور بن أسعد بن طارق آل سعيد، ونستشرف معها آفاقا أرحب من التمكين للكفاءات الوطنية في مختلف المجالات مع النظر للتحديات التي تفرضها التغيرات والتطورات المتسارعة في عالم المال والأعمال محليا وعالميا وأيضا حجم الفرص القادمة، فهذا خير خلف لخير سلف.
