المحامي أحمد بن حسن بن إبراهيم البحراني
عند النظر في المادة (٨٣) من اللائحة التنفيذية لقانون المحاماة والاستشارات القانونية، والتي نصت صراحة على عدم جواز فتح أكثر من فرعين عدا المقر الرئيسي، وعدم فتح أكثر من فرع في المحافظة الواحدة، نجد أنها تمثل تحولًا واضحًا في فلسفة تنظيم المهنة، حيث ينتقل التشريع من مرحلة السماح المفتوح إلى مرحلة التقييد المحسوب المبني على اشتراطات موضوعية.
هذا الحظر الظاهر، في حقيقته، ليس تقليصًا للحرية التجارية، بل هو محاولة لإعادة تعريف مفهوم “مكتب المحاماة” ككيان قانوني مهني راقٍ، لا كمتجر قابل للتكرار العشوائي في كل زاوية. فالتوسع غير المدروس الذي شهدته السوق القانونية في السلطنة خلال السنوات الماضية أدى إلى انتشار ما يمكن تسميته اصطلاحًا بـ “دكاكين المحاماة” – مكاتب صغيرة، غالبًا بلا مقومات فنية أو إدارية، تسعى للربح السريع على حساب جودة المهنة وسمعتها.
المادة جاءت لتضع حدًا لهذه الفوضى التنظيمية، وركّزت على ضوابط تؤكد أن فتح الفرع ليس امتيازًا تلقائيًا، بل قرار تنظيمي يخضع لشروط واضحة، أبرزها: مرور خمس سنوات على تأسيس المكتب، وجود طاقم قانوني لا يقل عن خمسة من المحامين أو المستشارين، توفر تأمين مهني، وتعيين مدير مؤهل للفرع. هذه الاشتراطات ليست معوّقة، وإنما تهدف إلى أن يكون التوسع مؤسسًا على قدرة حقيقية، لا مجرد حضور جغرافي بلا مضمون.
أما اشتراط عدم فتح أكثر من فرع في المحافظة الواحدة، فهو إجراء تنظيمي يهدف إلى تقليل ظاهرة تكدس الفروع في أماكن معينة فقط بهدف الترويج أو جذب القضايا، دون وجود حاجة حقيقية أو غطاء فني يكفل الجودة والاستدامة.
الأهم من ذلك أن المادة ترسل رسالة واضحة: المحاماة ليست نشاطًا تجاريًا بحتًا، يُقاس بعدد الفروع أو حجم اللافتات، بل هي خدمة قانونية مهنية عالية المستوى، تُبنى على الثقة والمعرفة والممارسة الرصينة. ومن هذا المنطلق، فإن إعادة تنظيم سوق المهنة هو في جوهره دفاع عن كرامة المحامي وعن صورة العدالة في أعين المجتمع.
في المحصلة، المادة ٨٣ تمثل خطوة جادة للحد من الابتذال الذي أصاب شكل المهنة، وهي دعوة – غير مباشرة – لإعادة الاعتبار للمحتوى لا للمظهر، وللكفاءة لا للكم، وللاستحقاق لا للانتشار. وعلى المكاتب الجادة أن ترى في هذه المادة دعمًا لنموها المؤسسي المستدام، لا حجرًا على طموحها.
