يعقوب الخنبشي/ كاتب وأديب
في كل قلب بشري حيّ، ثمة معركة خفية تدور رحاها بين مرارة الأمس وأحلام الغد. ولئن كان الماضي أطيافًا تسكن الذاكرة، فإنه، عند بعض القلوب المكلومة، يتحول إلى قضبان من الندم وأغلال من الحسرات، تعيق المضي قدمًا نحو رحابة المستقبل. غير أن الحكمة البالغة، والعقل الراشد، يأبيان أن يُختزل الماضي إلى محض حكم مؤبد ينقض على الإرادة، ويئد الطموح في مهده.
إن الماضي ـ في حقيقته العلمية والفلسفية ـ ليس سجنًا إنما كتاب مفتوح، تتبدّى على صفحاته دروس التجربة، وتجليات الوعي الناضج. ومن خصائص الإنسان الكوني أن يُخطئ، وأن يتعثر، ثم يقف، مضمّخًا بجراح الخبرة، أكثر فهمًا، وأشد بأسًا. إن الوعي بالماضي لا ينبغي أن يكون حبلًا يشدنا إلى الوراء، بل جناحين يحلقان بنا نحو آفاقٍ أرحب من الإدراك والحكمة.
تؤكد الدراسات النفسية أن اجترار الألم، والانغماس في جلد الذات، يؤديان إلى اضطرابات مزمنة في التقدير الذاتي، وإلى أنماط سلوكية معيقة للنمو الشخصي والاجتماعي. إذ يتحول الماضي إلى طاغية متسلط إذا ما استسلم له الإنسان، فيقبع في زنزانة الحزن والندم، فاقدًا لقدرته على اتخاذ القرار، بل وحتى على الاستمتاع بلحظة الحاضر. من هنا تبرز أهمية تحويل التجارب الماضية إلى محطات تعلمٍ لا محاكم إدانة.
إنّ البلاغة القرآنية حين تتحدث عن خطايا البشر لا تمكث عند حدود اللوم، بل تفتح باب التوبة والتجدد، وكأنها تعلمنا أن الزمن خلق ليُغتفر به الزلل لا ليُخلد فيه العار. قال تعالى: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾، فكانت الآية دعوة بليغة إلى التحرر من قيد الماضي، وفتح بوابات الأمل بلا قيد ولا شرط.
في الفلسفة الوجودية أيضًا، نجد صوت سارتر يدوي: “الإنسان مشروع مفتوح”، فلا شيء يحكمه سوى حريته واختياره. والماضي، وإن كان وقائع قد جرت، إلا أنه لا يُراد له أن يكون قيودًا غليظة، بل أرضًا خصبة يستنبت فيها الإنسان معاني وجوده الأسمى.
وهكذا، فإن الرؤية العلمية المدعومة بالدراسات، والقراءة الأدبية التي تتوخى الحكمة، تتعاضدان في بناء مفهوم متكامل: لا تكن سجينًا لماضيك، بل اجعله معلمًا يسير أمامك لا سجانًا يجثم فوق صدرك. فكما لا يحكم القبطان على سفينته بالغرق بسبب عاصفة ماضية، لا يليق بالإنسان أن يحكم على مصيره بالفشل بسبب زلةٍ طويت صفحتها.
إن كل سقوط هو بحد ذاته تمرين على النهوض، وكل انكسار هو درس في بناء النفس. وما الحياة إلا رحلة متجددة، تُنقش معانيها في لحظة التجاوز، لا في لحظة العثرة. فاجعل من ماضيك شهادة خبرة، لا صك إدانة؛ وامضِ في دربك حرًا، شامخًا، مستضيئًا بقبس التجربة، لا مثقلًا بسلاسل الندم.
فللماضي حق الاحترام باعتباره جزءًا من الحكاية، لكنه لا يملك حق السيادة على الرواية كلها. والمستقبل، في كل آن، يهتف بالإنسان: تحرر، فالحياة تنتظرك بقلب مفتوح، لا تقبل فيها السجناء.
