محمد بن علي الوهيبي
“التعليم يعني لمس الحياة إلى الأبد”
في كل صباح، وقبل أن تصدح أجراس الطابور، وقبل أن تنبض المدرسة بحياة طلبتها، يكون هناك من وصل أولًا، من طاف أروقة المدرسة وساحاتها بنظراته الحانية، من تفقد الأبواب والنوافذ، ومن تفقد القلوب قبل العقول إنه مدير المدرسة.
هو ليس مجرد عمل على ورق، بل هو دور مركزي، بوصلة تشير إلى النجاح إذا اعتدلت، وتقرأ العاصفة قبل أن تهب ليقود السفينة بثبات.
في إحدى المدارس وقف مدير المدرسة على عتبة الباب، يحيّي الطلاب بأسمائهم، يتبادل النكتة مع الحارس وعامل المدرسة، ويتفقد بابتسامة دفاتر خطط وتحضير المعلمين وسجلاتهم. كان يعرف أن المدرسة ليست جدرانًا ولا مناهج فقط، بل روح تنمو كل صباح مع رفع العلم عاليًا خفاقًا يليه صوت السلام وتحية الوطن والتمرين الأول والثاني وفقرات الإذاعة المدرسية في طابور الصباح بأصوات البراعم وزهور العلم.
حين كان أحد المعلمين يواجه تحديًا داخل الصف، كان “الأستاذ المدير “أول من يسانده لا بسلطة المدير، بل بزمالة تربوية أصيلة، وإذا غاب طالب أو طالبة عن مدرسته، لم يكن ذلك الغياب مجرد رقم، بل سببًا للقلق، ودافعًا للاتصال بأسرته. فالإدارة عنده لم تكن مكتبًا وصوت عالٍ، بل قلبًا مفتوحًا على اتساعه.
وفي أوقات الأزمات – كسلوك طالب غير سوي، أو تذمر ولي أمر، أو حتى نقص في الإمكانات والموارد “كان “الأستاذ المدير” يتصرف كقائد هادئ في عاصفة، يمتص الانفعال ويزرع الاطمئنان، فيرى الجميع في حضوره ميزانًا من العدالة، وملاذًا آمنًا للحل.
لكن خلف هذا الدور الكبير، كانت هناك تحديات صامتة: ملفات لا تنتهي، اجتماعات طويلة، رسائل رسمية، تنسيق مستمر مع مديرية التربية والوزارة، وزيارات المشرفين الإداريين والتربويين، والمجتمع المحلي، وأولياء أمور الطلبة، التعاميم الداخلية للمعلمين والمعلمات والطلبة، ضغط التوقعات والمفاجآت المدرسية اليومية من كل اتجاه، ومع ذلك لم تفارقه ابتسامته.
ذات مرة وفي إحدى الأيام نظم طلاب المدرسة مفاجأة لمدير مدرستهم، لوحة كبيرة كُتب عليها:
إلى من جعل المدرسة بيتًا ثانيًا، والتربية حكاية حبّ.. شكرًا مديرنا الغالي.
ربما لم يكن “الأستاذ المدير” يحتاج إلى كلمات مهما كانت جميلة وداعمة ومؤثرة، فكل نجاح لطالب وطالبة وكل إشراقة معلم ومعلمة وكل سعادة لولي أمر وكل زائر للمدرسة، كانت كافية لتقول له: أحسنت القيادة أيها القبطان.
لكن ما حكاية “الأستاذ المدير ” مع لون البطيخ؟
“يقول مدير إحدى المدارس: عندما يأتيني ولي أمر طالب في الصف الأول كي أسجله في مدرستي يجب أن أقابل الطفل كي أتأكد من سلامة الحواس (النطق والسمع والبصر وسلامة المشي والأطراف) وأحب أن اسأله سؤالاً ابتكرته منذ سنوات وهو ما لون البطيخة؟
فيستغرب الأهل والزملاء من سؤالي المتكرر لجميع طلاب الصف الأول وأنه ليس لدي سؤال سواه!!!
وهو سؤال في ظاهره سؤال عادي ولكني ساعترف لكم بسر هذا السؤال…. ولكني من خلال إجابة الطفل أحدد السمات العامة لشخصيته.
فالطفل الذي يقول لي لونه أحمر فهذا على الأغلب اتكالي لا يشارك والده شراء البطيخة ولا يساعد امه في تقطيعها، ولا يراها إلا في الصحن أمامه كي يأكلها وكأنه ضيف في البيت.
أما الطفل الذي يقول لي لونه أخضر فهذا على الأغلب يشارك والده شراء البطيخة و يساعد أمه في تقطيعها.
وأما الطفل الذي يقول لي (من برا ولا من جوا) فهذا على الأغلب ذكي يحب المعرفة ودقيق الملاحظة ويحب الجدال والحوار.
وأما الطفل الذي يقول لي (من برا خضرا ومن جوا حمرا) فهذا على الأغلب ذكي يحب المعرفة ودقيق الملاحظة ولا يحب الجدال.
أما الإجابات التي لا دخل لها بلون البطيخ
كمن يقول لي: لونها ازرق أو بنفسجي فهذا لا يعرف الألوان ومعرفته سطحية وسيكون متعبًا لمعلميه.
وأما من يختبئ خلف أمه من الخجل، أو ينتظر من أمه وأبيه إجابة السؤال فهذا يحتاج الى جهد كبير في إخراجه من هذه الاتكالية والخجل !!!”
