عاصم رشوان- صحفي مصري
استفزتني مكالمة هاتفية نادرة من “صديق قديم” يلومني ضمن سياقها لأنني أقصر مساهماتي في مواقع التواصل الاجتماعي على سلطنة عمان متهما اياي بأنني أتحدث عنها كما لو كانت المدينة الفاضلة على خلاف الحقيقة وبعيدا عن الواقع.. مطلقا عبارة ظاهرها الممازحة وباطنها النقد اللاذع – يعني “مزاح ودز رماح” بالعامية العمانية – قال: أنت “ما تفتأ تذكر عمان حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين”؟؟
تمسكت بثباتي الانفعالي عند حدوده القصوى.. قلت معقبا وضاحكا: لست أنا يعقوبا ولا عمان هي يوسف.. لكن القصة باختصار أن ما تثيره بداخلي من مشاعر مختلطة أكثر بكثير مما يظنه أخرون سوءات تستحق النقد وربما التجريح ان كان ذلك يحلو للبعض أو يروق لهم لمجرد تعرضهم لمظلمة من هنا أو هناك.. الأمر الذي لا أظنه كافيا أو مبررا لنشر صورة معتمة عن بلد بأكمله وتعميم اساءة واحدة طوال عقود من الحسنات اللاتي يفترض أنهن يذهبن السيئات.
مكثت في عمان وبين أهلها الطيبين بضع سنين كانت هي الاخصب مهنيا وانسانيا.. جمعتني بسكانها المواطنين والمقيمين على حد سواء من كل الاجناس والالوان ..أسيويون وأوربيون وروس وأمريكان وعربا وعجما.. وأخرين من السند والهند وبلاد تركب الافيال.. لاحظت أن جميعهم رغم التباينات الشاسعة بين بعضهم حينا والتوافقات حينا أخر أخذوا من الشخصية العمانية بعضا من طيبتها وطيبها وحسن أخلاقها ونقائها وصفائها وكرمها وهدوئها.. كل هؤلاء كان لهم من أخلاق العمانيين وطباعهم نصيب معلوم.
كنت طوال سنوات عملي منتميا مهنيا وممثلا وظيفيا لصحيفة اماراتية أستمد منها شرعية اقامتي باعتباري مديرا لمكتبها هناك.. وكنت أتقاضى راتبي بالدرهم الاماراتي وليس بالريال العماني بكل ما يعنيه ذلك من مزايا ومعان وأبعاد؟؟.. فكان الاولى – والامر كذلك – أن أتغنى بدولة الامارات العربية المتحدة شعرا ونثرا وقصا ورواية وطربا ..وربما رقصا للرزحة والبرعة والعازي .. وهي ألوان من الفنون الشعبية التي يشترك في أدائها مواطنو الامارات وعمان افرازا لتاريخ مشترك لايفرق بينهما باعتبارهما شعب واحد في بلدين .
اتجاهي للكتابة عن سلطنة عمان شعبا ووطنا وسلطانا كان طبيعيا تماما.. فهؤلاء هم الذين عايشتهم عن قرب على اختلاف شرائحهم من الخفير الى الوزير.
كنت أتوقع أن يكون انتقادي موضوعيا فيما أكتبه.. فليس في سجل كتاباتي عن سلطنة عمان وشعبها وسلطانها ما يمكن وصفه بالسباحة ضد تيار الحقيقة.. فقد كانت سياساتها الخارجية – على سبيل المثال – نموذجا يحتذى من حيث اتساقها مع نفسها وهويتها العربية الاسلامية الانسانية الكونية.
فحين أوقفت ضخ النفط الى البلدان الغربية التي تساند اسرائيل في حرب اكتوبر 1973م واقتطعت من رواتب موظفيها المدنيين والعسكريين على حد سواء لصالح المجهود الحربي. وحين طار السلطان قابوس رحمه الله بلباسه العسكري بما لذلك من دلالة الى القاهرة للقاء الرئيس السادات أثناء الحرب. .وحين شاركت فرق طبية عمانية بمستشفيات ميدانية على الجبهة الشرقية ..وحين وقفت مع مصر في معركة البناء واعادة الاعمار دون افصاح او من أو أذى.. وحين رفضت قطع علاقاتها مع مصر استجابة لمقررات قمة بغداد في العام 1979م ردا على اتفاقيات كامب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية الاسرائيلية ..لم يكن في تلك المواقف سوى التزام بثوابت السياسة العمانية التي تحترم ارادة الاخرين وقراراتهم السيادية رغم تبايناتها.. فكان تأييد مصر في الحرب عندما تتجه ارادتها الىها وكان تأييدها في السلام حينما ترى ذلك في مصلحتها.
سياستها الخارجية محكومة بالثوابت العربية الاسلامية التي تتجاوز المتغيرات العابرة.. فحين اتجهت الى تأييد اتفاقيات أوسلو قبل أكثر من ثلاثين عاما لم يكن ذلك سوى نزولا عند رغبة الفلسطينيين أنفسهم.. وحين ذهبت الى تأييد اتفاقيات وادي عربة كان اتساقا مع رغبة الاردنيين أنفسهم…ولا أطن بأن المطلوب من العمانيين أن يكونوا مصريين أكثر من المصريين أنفسهم أو فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم أو أردنيين أكثر من الاردنيين أنفسهم.. هم يرتضون ما يرتضيه المصريون والفلسطينيون والاردنيون.. ويقبلون به.. ويرفضون مالا يقبله هؤلاء أيضا .
وعلى الصعيدين الاقليمي والدولي، لعبت دورا محوريا في المفاوضات الدبلوماسية التي استضافتها مسقط لبضعة أشهر دون اعلان عنها بين ايران من جانب والولايات المتحدة الامريكية ودول أوربية من جانب أخر، والتي تكللت بتوقيع اتفاق بين الطرفين بخصوص الملف النووي الايراني في العام 2015م بغض النظر عما جرى لاحقا من الغائه من الجانب الامريكي!
هي التي توسطت خلال سنوات عديدة مضت لدى اليمنيين لاطلاق سراح العديد من الرهائن والمخطوفين من جنسيات أمريكية وأوربية غربية وأسيوية مختلفة في ظروف متباينة.. ولم يكن ذلك مرتبطا بظهور الحوثيين أو غيرهم انما حتى خلال حكم على عبدالله صالح حين كانت بعض القبائل تقوم باختطاف سائحين أو سائحات.
ساهمت في اطلاق سراح العديد من السجناء الامريكيين في السجون الايرانية ومبادلتهم مع نظراء لهم في السجون الامريكية. ..ولم يكن الدافع وراء تلك الجهود هو الاستعراض الاعلامي أو البحث عن مكاسب مادية أو سياسية أو اقتصادية انما هذه هي عمان الحضارة والاصالة.
فعلت كل ذلك سرا وعلانية ..وبرضاء كل الاطراف – بمن فيهم الامريكان والاوربيين – فكانت مساعيها الحميدة أملا يراودها في تحقيق حلم الاستقرار للمنطقة وشعوبها.. فكلما أوقد بعضهم نارا للحرب سعت هي الى اطفائها قدر استطاعتها.
هي أيضا التي حذرت من اللجوء الى الخيار العسكري لطرد العراق من الكويت بعد احتلالها كاشفة في حينه عن مخاوفها من كل التداعيات اللاحقة التي أدت الى اطلاق المذهبية والعرقية من عقالهما.. فتحت هذه المظلة السوداء تدور الان رحى الصراعات الاقليمية البغيضة ظاهرة وخفية.. لكنها بالمقابل لم تتخل عن التزاماتها بالدفاع المشترك مع دول مجلس التعاون الاخرى فقد شاركت بقوة رمزية من بين قوات درع الجزيرة التي كانت متمركزة في منطقة “حفر الباطن” بالمملكة العربية السعودية.
كما ان عمان الرسمية والشعبية – وأنا على ذلك من الشاهدين – قدمت المسكن والغذاء “مجانا” لاخوانهم الكويتيين الذين لجأوا اليها خلال فترة الغزو وحتى التحرير.. وكعادتها لم تستعرض ذلك اعلاميا التزاما بديدنها الرافض لأسلوب المن والاذى الذي قد يروق لأخرين؟
وما أن تحررت الكويت حتى تقدم الجميع بطلبات في قوائم التعويضات الشهيرة المسماة ” المتضررون من حرب تحرير الكويت”…وتكالبت العديد من البلدان والكيانات والشركات وحتى الافراد يقدمون الفواتير – بغض النظر عن صحتها أو دقتها – لكن ما يحسب لعمان أنها كانت هي الدولة الوحيدة التي رفضت حتى ادراج اسمها في قائمة المتضررين، فقد اعتبرت موقفها واجبا وليس سلعة تباع وتشترى.
كانت الدولة الخليجية الوحيدة التي رفضت الانخراط في خطيئة ما عرف باسم “عاصفة الحزم” ضد اليمن التي يمضي على اطلاقها عشر سنوات الا قليلا.. لم تحصد منها كافة الاطراف سوى مئات الالاف من القتلى والجرحى والمشردين والثكالى واليتامى والارامل فضلا عن الخسائر الاقتصادية المقدرة بمئات المليارات من الدولارات على الجانبين.. خليط من الدماء والدموع والاوجاع والصرخات المكتومة التي لا يسمع أنينها غير أصحاب الضمائر الحية.
وان كان ما سبق سرده مجرد غيض من فيض، فان السنين تمضي ليتأكد للجميع – بحكم الواقع والتاريخ والتجربة – سلامة المواقف العمانية ومصداقيتها، والتي لم تكن يوما بدافع الخوف من سيف البيت الابيض أو طمعا في ارضائه.. فعمان ليس في خزانتها مبالغ تكفي لارضاء ساكن البيت الابيض او استئجاره أيا كان اسمه أو شطحاته.. كما أنها ليست بحاجة الى مداهنة الوكيل الاقليمي الحصري – أقصد الكيان الصهيوني – ذلك لأنها دولة متصالحة مع نفسها ما يجعل عناصرها التكوينية كافة – وطنا وشعبا وسلطانا – منصهرة في بوتقة واحدة.. وعلى قلب رجل واحد.. ولعل ذلك ما بدا واضحا في العديد من المواقف التي كان أخرها عملية “طوفان الاقصى” وما تلاها من حرب لاتزال تدور رحاها حتى اليوم مقتربة من عامين كاملين قد تتحول الى ساحة صراع مفتوح على كل الاحتمالات.. كان موقفها ثابتا حيث اعتبرت العملية تأتي في اطار المقاومة التي ما تشكلت الا بسبب الاحتلال ..”فأينما يوجد الاحتلال توجد المقاومة” ..ورغم كل المحاولات الظاهرة والخفية لا ثناء عمان عن موقفها الا أن ذلك يبدو أشبه بالحرث في الماء.. فعمان التي أعرفها لن تكترث كثيرا بأقاويل المرجفين.. ولا تخيفها دسائس “ملوك الطوائف” التي باتت مفضوحة للكافة.. ذلك لأنها تعرف جيدا ضريبة الارادة المستقلة وتحسب بدقة تكلفة التمسك بها في زمن أصبح فيه القابضون على مبادئهم كالقابضين على جمر النار؟؟
وبعيدا عن سياستها الخارجية – وبدون الدخول في تفاصيل – يكفيني أن أذكر بندا واحدا فقط يتعلق بسيادة القانون في تلك الدولة اذ لم أشهد أو أسمع أو أقرأ عن حكم قضائي صدر في دولة خليجية ضد واحد من أصحاب السمو أو الشيوخ أفراد الاسر الحاكمة بينما كان ذلك يحدث في عمان ؟؟
في جعبتي الكثير والكثير من المواقف الدالة والمعبرة والحيثيات الموضوعية التي تؤكد سلامة وصحة المواقف العمانية الثابتة كما الجبال الراسخات، والتي تعزز جميعها يقيني بأحقيتها – وطنا وشعبا وسلطانا – في الاشادة والاحترام والتقدير.
ورغم أنني لست يعقوبا في صبره واحتسابه ويقينه.. وعمان ليست يوسف رغم حسنها وجمالها وحكمتها الا أنني أقول لصديقي الناقد الكريم : نعم ..مأ أفتأ أذكرها حتى أكون حرضا أو أكون من الهالكين.. فليس من الانصاف أن نعيب الورد فقط لمجرد أنه أحمر الخدين!
