محمد بن علي الوهيبي
بين طيات الحياة اليومية، وبين تفاصيلها الصغيرة نجد ما يعكس قيمًا ومعاني عميقة، ومن بين تلك التفاصيل لفت انتباهي عبارة بسيطة ولكنها مليئة بالدلالات، مكتوبة على إحدى حافلات الناقل الوطني مواصلات: “ربيع درب”.
قد تبدو الكلمات عابرة، لكنها تحمل في طياتها دعوة للتنقل بثقة، وجعل “مواصلات” رفيقًا دائمًا في كل خطوة نخطوها، هي دعوة للاستمتاع بكل رحلة، سواء كانت قصيرة أو طويلة، كفرصة للاسترخاء والتواصل مع المسار.
فهذه الكلمات تحمل أكثر من مجرد شعار لوسيلة نقل إنها دعوة لحياة مليئة بالتنقل الذكي والمريح إلى مقر العمل إلى المدارس إلى الجامعات إلى المراكز الصحية إلى الأسواق إلى المتنزهات والمقاصد السياحية وغيرها من الوجهات، انطلاقًا من محطات معينة وفق ساعات عمل مجدولة ووفق الكثافة السكانية لكل منطقة، كما يمكننا الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة لتحسين تجربة النقل العام، من خلال تطوير تطبيقات ذكية لشراء التذاكر، تتبع مواعيد النقل بدقة، وإنشاء أنظمة حجز مبتكرة تسهم في تقليل أوقات الانتظار وتعزز كفاءة النقل بشكل عام.
فما أجمل أن يسود هذا الفهم لدى الغالبية من الناس ليساعد في التخفيف من فاتورة المعيشة التي نتكبدها في هذه الناحية وستجعلنا هذه الخدمة متى ما سادت ثقافتها بيننا أن نقلل من اعتمادنا على السيارات الخاصة في الوقت الذي يعد فيه الزحام المروري أحد أكبر الأزمات التي تعاني منها العديد من المدن حول العالم، حيث تزدحم الطرق بالمركبات الخاصة التي تزيد من ضغط الحركة وتؤدي إلى تأخير الرحلات اليومية.

وعند الحديث عن المواصلات العامة، نجد أنها تمثل الحل الأفضل للتخفيف من حدة الزحام المروري، إذ توفر سعة أكبر لنقل الركاب مقارنة بالسيارات الخاصة ما يساهم في تنظيم حركة المرور بشكل أكثر فعالية فكل حافلة يمكنها نقل عدد كبير الركاب في وقت واحد ليقلل من عدد السيارات على الطريق ويسهم في تسريع تدفق الحركة، ناهيك عن التلوث الناتج من عوادم السيارات المضرة بالبيئة.
إضافة إلى ذلك فإن عبء تكلفة امتلاك السيارة الخاصة يثقل كاهل الكثيرين، بدءًا من الدفعة الأولى وأقساطها الشهرية مرورًا بتقلبات أسعار الوقود والصيانة الدورية، وصولًا إلى مصاريف قطع الغيار والتأمين والتجديد السنوي، والمخالفات المرورية.
ومن بين الفوائد التي توفرها المواصلات العامة هي الراحة والمرونة حيث يتم تزويد وسائل النقل العامة بخدمات مريحة مثل توفر الواي فاي ومسارات تتبع في الوقت الفعلي، ويجعل تجربة التنقل أكثر سلاسة، بالإضافة إلى ذلك توفر المواصلات العامة إمكانية الوصول إلى أماكن مختلفة بسهولة وبتكلفة أقل مقارنة بالسيارات الخاصة ما يمنح الأفراد حرية التنقل دون الحاجة إلى القلق بشأن مواقف السيارات أو التكاليف الإضافية.
لقد أحسنت هذه المؤسسة اختيارها لهذا الشعار في حافلاتها، فذلك ليس مجرد تصميم بل هو دعوة صادقة لأبناء هذا الوطن للاستفادة من هذه الخدمة التي تهدف إلى ربطهم بها وإيصال رسالة مفادها أن هذه الخدمة مخصصة لهم ومن أجل راحتهم، ومع ذلك يثير الحزن أن نرى أن معظم من يستفيد من هذه الخدمة الميسرة هم من غير أبناء البلد في وقت كان من المتوقع أن يتصدر المواطنون قائمة مستخدميها.
هنا يجب على الجهات المعنية المسارعة بالتوعية بأهمية المواصلات العامة، والبحث في أسباب عزوف الكثير من المواطنين عن استخدام هذه الوسائل رغم قلة كلفتها المالية مقارنة بكلفة السيارات الخاصة، والبحث عن حلول مناسبة كالنظر في زيادة عدد محطاتها وساعات عملها وتكوين شبكة نقل متكاملة تربطها بكافة أنحاء البلاد والتركيز على الأماكن السياحية، والنظر في تقديم عروض مناسبة لكافة شرائح المجتمع، ويجب أن تأخذ محطات التوقف في الاعتبار قربها من أماكن سكناهم، مع توفير بيئة مريحة في مواقع الانتظار لضمان راحة المنتظرين،كما يجب أن تكون وسائل النقل العامة قادرة على تلبية احتياجاتهم اليومية.
ومن اللافت أن المجلس البلدي بمحافظة مسقط، في اجتماعه الثالث الذي انعقد مؤخرًا، تناول مناقشة البيان المقدم من شركة مواصلات بشأن الخطة الاستراتيجية لتطوير منظومة النقل العام بالحافلات.
لا شك أن بعض التحديات التي تواجه عالمنا اليوم جعلت من وسائل النقل العام أكثر من مجرد خيار، بل أصبحت ضرورة تواكب متطلبات العصر الحديث، لذا من الضروري أن نعيد النظر في خياراتنا اليومية ونعتبر النقل العام ليس حلاً بديلاً فحسب بل أسلوب حياة يساهم في رفاهية الفرد والمجتمع.

