*محمد بن علي الوهيبي*
مرت السنوات وكأنها لحظات سريعة منذ أن بدأت مشواري في عالم التعليم في رحلة مليئة بالذكريات والتحديات التي لا تُنسى
40 عامًا من العمل في سلك التعليم قضيتها بين المدارس وفصولها الدراسية مع طلبة العلم، وبين الزملاء الذين لم يكونوا مجرد معلمين بل شركاء في رحلة تعلم مستمرة.
اليوم وأنا أكتب هذه الأوراق أسترجع كل مرحلة وكل لحظة مرت في حياتي المهنية متغيراتها وتحولاتها التي واكبت التطور التعليمي، بدءًا من معلم وصولا بتجربتي إلى مدير مدرسة ثم المرور بعدة وظائف في ديوان عام وزارة التربية والتعليم وأبدًا لم تكن المرحلة الأخيرة التي أكملت (16) عامًا بعد مغادرة المدارس مرحلة وظائف مكتبية بل كانت أغلبها ميدانية أطلعت خلالها وعن قرب على التجارب التعليمية في كل المحافظات التعليمية من شرق عُمان إلى غربها ومن جنوبها إلى شمالها التقيت بطلبة العلم ومعلميهم في الصحراء وفي الجبال وفي الجُزر وأشباه الجزر.
هذا الاطلاع والتنوع في الخبرات أرجو أن يكون قد ساعدني على تكوين فكرة لا بأس بها عن المتغيرات والتحديات المختلفة المتعلقة برسالة التعليم الخالدة في الجغرافيا الصعبة لبلادنا عمان والسنين العجاف وتطور المدارس والتعليم.
البداية: معلم في أول الطريق
كانت بدايتي في التعليم مليئة بالحماس والطموح حيث بدأت العمل كمعلم في عام 1985 كنت أخطو إلى سن العشرين.
وكنت حينها معلمًا مملوءًا بالحماس والأحلام التي لاحدود لها وكأنني سأغير العالم عبر تحفيز الطلبة وارشادهم إلى مسالك النور و البحث عن المعرفة.
كان العام الدراسي في تلك الأيام أكثر هدوءًا، امتحانات شهرية ثم الامتحان النهائي تضعها وتصححها المدرسة.
عدا ما كان يسمى امتحانات الشهادة الإعدادية العامة والثانوية العامة، فكانت الوزراة هي من تشرف على وضع هذه الامتحانات ومراقبتها وتصحيحها وإعلانها عبر الراديو العماني بأصوات حمد البلال وحسن بن سالم الفارسي وإبراهيم اليحمدي وزاهر بن حارث المحروقي وعلي بن خلفان الجابري ومحمد بن علي المرجبي.
كما كانت الصحف المحلية تصدر ملاحق خاصة بالنتائج التعليمية في اليوم التالي، وكان إعلان النتائج يشكل في ذلك الزمن حدثًا استثنائيًا ويومًا من أيام الحياة التي لا يمكن تجاوزها أو نسيانها.
في تلك الأيام التعليمية كان غالبية الطلبة يتلقون ويتقبلون المعرفة بشكل مباشر دون أن تشتت انتباههم التكنولوجيا الحديثة فكان التواصل مع الطلبة أبسط وأوضح حيث كانت العلاقة بين المعلم والطالب قائمة على التقدير والاحترام المتبادل والأساليب التقليدية كانت هي السائدة: السبورة، الأقلام، والكتب والدفاتر المدرسية ومع ذلك كان لدينا متسع من الوقت للتفاعل مع الطلبة لا سيما في الأنشطة اللاصفية التي كانت جزءًا هامًا من العملية التعليمية ولا يجب أن ننسى بأن تلك الفترة والفترة الزمنية التي سبقتها برغم بساطة التعليم وأدواته إلا أنها ساهمت في تكوين أجيال تحملت المسؤولية بمفاصل العمل في القطاع الحكومي وفي القطاع الخاص وكانت للجهود التعليمية بصمات واضحة.
انتقال المعلم إلى مدير مدرسة:
ومع مرور الوقت دخلت مرحلة جديدة في مسيرتي المهنية: الانتقال إلى الإدارة.
في عام 1993 تم تعييني مساعدًا لمدير المدرسة فكانت هذه الفترة مليئة بالتحديات التي كنت أجهل تفاصيلها ولكنها أصبحت بمثابة مدرسة ثانية لي وهي محاولة تعلم فن الإدارة.
بعدها بسنتين أصبحت مديرًا للمدرسة
في سنواتي اللاحقة لعملي في الإدارة المدرسية بدأت ألاحظ التغيرات الكبيرة التي طرأت على المدارس في الوقت الذي كانت التكنولوجيا تتسرب ببطء إلى التعليم، والأدوات التي كانت تُستخدم في الماضي بدأت تتقادم وبدأت الأجهزة الإلكترونية تظهر في الفصول الدراسية، إلى أن أصبح استخدام الحواسيب في التعليم أمرًا لا غنى ولا مفر منه.
تطورت مناهج التعليم لتواكب المتغيرات في المجتمع كانت هناك بداية لتعليم المهارات الحياتية والأنشطة اللامنهجية التي تساهم في تكوين شخصية الطالب بشكل متوازن لا تقتصر على الجانب الأكاديمي فحسب أصبحت المدارس أكثر اهتمامًا بتشجيع التفكير النقدي وتحفيز الإبداع وإعداد الطلبة لمواجهة تحديات العصر.
التحديات في زمن التكنولوجيا:
مع مرور الزمن بدأنا نلاحظ تحولًا كبيرًا في سلوك المتعلمين.
كان الطلبة يأتون إلى المدرسة حريصين على تعلم كل ما يُقدّم لهم ولكن مع مرور السنوات ومع متغيرات المجتمع في التعامل مع ضغوط الحياة العصرية تغيرت أولويات الأسرة وبدأت تسود الانشغالات والمتاهات الحياتية والتي أصبحت تحول دون تقديم الطالب أفضل أداء دراسي لقد أصبح التأثير الخارجي خاصة عبر التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي أكثر وضوحًا، ومع تسلل الأجهزة الإلكترونية إلى حياتنا بشكل أكبر.
بات من الضروري جدًا أن نجدد من منهاجنا وأن نحدّث ونطّور برامج الدعم النفسي والتوجيه المهني لإيجاد نموذج تعليمي واقعي مناسب يوازن قدر الإمكان بين الطلبة والمحتوى التعليمي وتقنياته الحديثة.
ندرك أن طرق التعليم بواسطة الألواح الذكية، والإنترنت والتعليم الإلكتروني أصبحت جزءًا لا يتجزأ من العملية التعليمية وهو متطلب ضروري لهذا الزمن، لكن يبقى لهذا التحول تأثير هائل في كيفية تعاملنا مع الطلبة.
الآن من الممكن استخدام منصات التعلم الإلكتروني لتقديم المادة التعليمية بطرق مبتكرة وأصبح المعلمون والمعلمات قادرين على تقديم المحتوى بشكل يتناسب مع احتياجاتهم الفردية.
ولكن ربما لاحظ البعض أن القراءة من الكتاب والكتابة بالقلم أصبحت من الأشياء التقليدية في التعليم وبدأ التقليل من الاعتماد عليهما !!
ندرك أن التعليم عبر التكنلوجيا الحديثة ليس مشكلة في حد ذاته ولكن إذا أحُسن استخدامه وتم توظيفه والاستفادة منه بالشكل الصحيح.
ويستحسن أن نواءم بين الكتاب وشاشة الحاسوب كما يجب أن نخلق تجانسًا بين استخدام القلم ولوحة المفاتيح.
وعلينا أن نستوعب أن الاستخدام المفرط للأجهزة الإلكترونية قد يؤدي إلى انعدام الانضباط الذاتي عند بعض الطلبة فقد يجدون صعوبة في وضع حدود زمنية لاستخدام الأجهزة مما يؤثر سلبًا على إنتاجيتهم الدراسية وصحتهم النفسية والبدنية.
يمكننا استخدام التكنولوجيا بشكل إيجابي.. نستفيد منها في التعلم إذا تم استغلال التطبيقات التعليمية والمنصات الإلكترونية لدعم العملية التعليمية مثل استخدام تطبيقات مخصصة لتنظيم المذاكرة أو مقاطع الفيديو التعليمية.
ومن المهم جدًا أن يتم توعية الطلبة حول أهمية إدارة الوقت وكيفية استخدام الأجهزة بالطريقة التي تحقق لهم الاستفادة وعلى القائمين على التعليم بالاشتراك مع الآباء والأمهات إرشاد الطلبة نحو استخدام التكنولوجيا بشكل يوازن بين الترفيه والتعليم كما يجب فرض حدود زمنية لاستخدام الأجهزة.
وإذا انتقلنا إلى البيئة الجغرافية فلا شك بأنها أحد العوامل المؤثرة بشكل كبير على تطوير التعليم في الصحراء والجبال والجزر حيث واجهة بلادنا العديد من التحديات في هذا المجال فتم التغلب عليها بحلول مبتكرة ومرنة رغم كل ما يحيط بها من ظروف قاسية وضعت القائمين على أمر التعليم وطلبة العلم أمام صعوبات كبيرة في مجال الوصول إلى التعليم الجيد والمستدام وصار موضوع التعليم في تلك الأماكن ليس أمرًا مستحيلاً بل هو تحدٍ قابل للتغلب عليه متى ما توفرت الإرادة السياسية والتقنية فكان لتحسين البنية التحتية وإيجاد الفصول الدراسية المتنقلة والتفاعل المجتمعي دورًا هامًا في تحقيق تعليمًا مستدامًا في هذه المناطق الجغرافية الصعبة.
وفي مهنة التعليم علينا أن نؤمن بأن العلاقة الإنسانية بين المعلم والطالب هي الأساس في نجاح العملية التعليمية مهما تطورت الأدوات والوسائل فما زال هنالك مكان للتواصل المباشر وللارشاد وللإلهام وكل ذلك يحدث في اللحظات الصغيرة التي تتجاوزها التكنولوجيا.
عبر رحلة التعليم نستخلص أن من زرع العطاء لا بد أن يحصد الوفاء وأن كل يوم نقضيه مع الطلبة وكل لحظة نتمكن فيها من التأثير في حياتهم هي لحظة قيّمة وستظل محفورة في الذاكرة إلى الأبد وأن التغيير جزء من الحياة وأن على المدرسة أن تكون مرآة للواقع المتغير وأن تكون مستعدة دائمًا لمواكبة الزمن مع احتفاظها بقيّمها الإنسانية التي تشكل أساسًا لبناء المجتمعات.
نعم نؤمن أن التكنولوجيا أصبحت في قلب النظام التعليمي لكن الأهم هو أن يبقى الإنسان دائمًا هو محور التعليم.
ستسهم التكنولوجيا في تيسير العملية التعليمية ولكن لن تغني أبدًا عن الحاجة إلى التوجيه والإرشاد الإنساني الذي يقدمه المعلمون والمعلمات.
التعليم هو أكثر من مجرد عملية نقل معلومات إنه عملية تشكيل وبناء أجيال تكتسب يومًا بعد يوم أدوات وقدرات ترفع من شأن الأوطان.
