حسين بن سالم الجابري
في عالم متسارع تفرض فيه العولمة تحديات جديدة وكبيرة، لا يصبح التعليم مجرد وسيلة للمعرفة، بل هو صمام أمان يحفظ هوية الأمم ويرسم مستقبلها.
وفي سلطنة عُمان لم يكن التعليم خيارًا؛ بل كان حجر الأساس في بناء الدولة العصرية، إذ قال السلطان الراحل قابوس بن سعيد -رحمه الله: “إنَّنا نولي التعليم جلَّ اهتمامنا، ونسعى لتطويره وتحسينه ورفع مستواه، وتحديث المعارف وتعميقها وإثرائها وتكييفها مع عالم دائم التغيير”.
ولعل أبلغ دليل على هذا الاهتمام ما شهده قطاع التعليم من تطور مذهل على مدى العقود الماضية ؛ حيث شهد قطاع التعليم في النهضة المباركة (1970-2020) تطورات متعاقبة منذ تولي السلطان الراحل قابوس بن سعيد -رحمه الله- ثم في العهد الحالي لجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- والتي كان عددها في بداية النهضة المباركة ثلاث مدارس فقط تضم نحو (900) طالب في عام 1970م إلى أن وصل عدد الطلاب في العام الدراسي 2025 / 2024 إلى نحو (811679) طالبًا وطالبة موزعين على (1287) مدرسة.
والتعليم في عُمان ليس مجرد أداة لاكتساب المعرفة، بل قوة دافعة نحو تعزيز الهوية الوطنية وبناء جيل واعٍ بمسؤولياته، إذ يسهم في تشكيل وعي المواطن العماني وتعزيز قيم الولاء والانتماء للوطن، وغرس في نفوس الطلاب مفاهيم المشاركة المجتمعية، والاحترام المتبادل، والالتزام بالقيم العمانية.
ويؤكد ذلك قول حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق حفظه الله في خطابه السامي في الثالث والعشرين من شهر فبراير من عام 2020: “التعليم على سلم الأولويات الوطنية باعتباره الأساس الذي من خلاله سيتمكن الأبناء من الإسهام في بناء عُمان الحاضر والمستقبل، والوفاء بمتطلبات المرحلة المقبلة.”
ومع ذلك، فإن الطريق إلى المستقبل لا يخلو من التحديات، فكما أن التعليم يبني، فإن العولمة والتكنولوجيا تطرحان تحديات قد تؤثر على الهوية والمواطنة؛ فعمان تواجه كغيرها من الدول الأخرى تحديات العولمة والتطور التكنولوجي السريع الذي قد يؤثر على الهوية والمواطنة إلا أن السلطنة، وبفضل رؤية 2040، استطاعت الموازنة بين الأصالة والحداثة، وجعلت من التعليم أداة لتعزيز المواطنة والهوية الوطنية ووسيلة فعّالة لتطوير الأفراد، وتعزيز مكانة عمان على خريطة العالمية.
وهذه الرؤية ترتكز على تحقيق تعليم ذي جودة، يتم من خلاله إعداد الطلبة لمواجهة تحديات المستقبل عبر تعليم قائم على الابتكار والتفكير النقدي.
ولأن الحفاظ على الهوية الوطنية مسؤولية جماعية، فقد لعب التعليم دورًا رئيسيًا في ترسيخ القيم العمانية الأصيلة فقد حرصت المناهج التعليمية على تضمين دروسًا تاريخية وثقافية تعزز أصالة الشعب العماني، مع التركيز على قيم التسامح والتعايش السلمي التي تميز المجتمع العماني،
وخير شاهد على هذا التميز قول النبي ﷺ: “لو أن أهل عمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك”.
وفي جوهر التقدم يبقى التعليم هو الاستثمار الأهم والأكثر جدوى لبناء المستقبل، فهو ليس خيارًا؛ بل ضرورة لنهضة الأوطان، ومن يستثمر في العلم، يستثمر في مستقبل لا تحده المستحيلات.
وكما قال الشاعر:
العلم يرفع بيتًا لا عماد له
والجهل يهدم بيت العز والشرف
